من قلب مزارع في شمال ووسط تونس، ومن بين أشواك تحمي رقة البتلات، يبرز الورد البلدي بوصفه أحد أهم الكنوز العطرية والاقتصادية في مناطق عدّة.
ومع أولى نسمات فصل الربيع تستيقظ الحقول في محافظات نابل وبنزرت والقيروان على همسات الورد الذي يتفتّح على مهل، كأنّ الأرض تُخرج زينتها دفعة واحدة.
وفي الحقول الممتدة يتحوّل الورد العربي أو البلدي، أو كما يُسمى في القيروان بالورد الدمشقي، إلى رزق موسمي، وذاكرة عطرة تتوارثها الأجيال.
في ساعات الفجر الأولى، وقبل أن تشتد حرارة الشمس، تتوافد النساء إلى الحدائق والأراضي الفلاحية.
يحملن سلالاً خفيفة، وتقطف أياديهن الخبيرة الورد بلطف، فهو هشّ ويحتاج إلى عناية خاصة.
يُقطف وهو لا يزال مبللاً بندى الصباح حين تكون زيوته العطرية في أوجها ورائحته أكثر كثافة ونقاء.
تخبر خديجة، وهي تقطف بعض الأزهار في حقل بمنطقة تاكلسة بمحافظة نابل، والندى لا يزال يُبلل أطراف ثوبها، " العربي الجديد" أنّ" النساء يخترن البتلات التي لم تتفتّح كثيراً كي تُعطي أقصى ما عندها من عطر عند تقطيرها أو عند استخراج عطورها، فالورود عندما تتفتح تمتص أشعة الشمس رائحتها وتفقدها قيمتها".
وتصف خديجة كيف تمسك الغصن بحذر، وتقطف الزهرة بلمسة سريعة ودقيقة قبل أن تجفف الشمس قطرات الندى عن قلبها.
وتتحدث عن برودة البتلات في الصباح والرائحة التي تلتصق بيديها وثيابها لساعات، وتقول إن" الورد لا يُعطي في هذا الوقت العطر فحسب، بل يرزق آلاف الأشخاص الذين يعملون في قطفه أو في استخراج عطوره أو في صنع الصابون ومواد التجميل".
عند التجوّل في بعض الحقول، وقبل لمح قصبات الورد المتماهية مع لون أرضها، يسبق الأريج الفواح الذي يغرس في شتلات صغيرة تكون في صفوف بعيدة عن بعضها البعض قليلاً؛ من أجل تسهيل عملية مرور المزارعين من دون أن يتضرّروا بأشواكه.
وغالباً لا تكبر شجيرات الورد البلدي كثيراً خصوصاً أنّ المزارعين يقلمونها باستمرار.
وتغطى شجيرات الورد بقصب وسعف النخل في شكل خيمة تظلّل الورود من أجل حمايتها من أشعة الشمس التي ترتفع درجات حرارتها في بعض الأيام خلال فصل الربيع فتؤثر في جودة الورد وتفقده رائحته الطيبة وحتّى لونه.
يلف الهدوء المكان ولا يكسره سوى صوت خافت لاحتكاك الأوراق خلال هبوب الرياح، أو ضحكات عابرة بين النساء اللواتي ينحنين نحو الشجيرات ويخترن الورد بعين خبيرة، ويفصلنه عن أغصانها بحركة سريعة ومدروسة.
وتتكرر الحركة مئات المرات بصبر وتركيز وسط اعتزاز كبير بما تقدمه الأرض.
ويقول مزارع يدعى مصطفى لـ" العربي الجديد": " زراعة الورد لم تكن دارجة كثيراً، إذ كانت الأرض تُخصص لغرس الأشجار المثمرة والزراعات الكبرى، لكن بسبب انتشار صناعة العطور ومواد التجميل اتّجه العديد من المزارعين إلى زراعة الورد الذي يشهد إقبالاً كبيراً.
وباتت جهات عدّة، خصوصاً القيروان، تُنتج أطناناً من الورود التي توجه بخاصّة إلى السوق الداخلية".
في الأراضي، تمتلئ سلال النساء تدريجياً، وتتصاعد منها رائحة الورد التي لا تشبه شيئاً آخر.
مزيج من النعومة والانتعاش، فيه شيء من الحلاوة وشيء من البرية.
رائحة قادرة على اختزال الربيع كله في نفس واحد.
تعمل النساء منذ ساعات الفجر حتى الساعة العاشرة قبل أن تتفتح البتلات الصغيرة التي تُجفّف لاحقاً وتُستعمل في صناعة الصابون أو تباع مجففة للاستعمال طوال السنة في استعمالات تجميلية أو غذائية أو حتى لشربها شاياً أو إضافتها مطحونة في بعض الحلويات التقليدية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك