نصّ المحاضرة التي ألقيتها في جامعة هارفرد الأميركية ضمن فعاليات مؤتمر Arab Conference at Harvard:أتيت إلى كامبردج، هذه" القرية" الهادئة التي أحببتها وغادرتها متخرّجًا منذ اثني عشر عامًا، من بيروت، عشقي الأول والدائم، والمدينة التي تعرّضت منذ أيام لقصف عنيف على كلّ أحيائها، ما خلّف غضبًا عارمًا بين أهلها من تحميلهم تبعات حرب لم يختاروها.
وأنا في طريقي إلى هنا، بين ساعات السفر الطويلة، فكّرت كثيرًا بالرسالة اللبنانيّة التي أودّ نقلها إلى الطلاب في جامعة هارفرد، ومن بين الكثير الكثير من الأفكار المتشعّبة، ثلاثة مشاهد لم تغادر عقلي، وأظنّها مجتمعة تختصر كلّ ما يريد اللبنانيون قوله إلى من يعنيهم الأمر.
المشهد الأوّل هو الخطاب الأخير لرئيس الجمهورية اللبنانية، والذي عبّر فيه عمّا يريد اللبنانيون من رأس دولتهم قوله، وهو خطاب انتظروه منذ استشهاد بشير الجميّل في العام 1982.
قال الرئيس عون إنه سيذهب إلى حيث يجب أن يذهب لحماية شعبه.
إنها لحظة" السادات" اللبنانية، نسبة إلى الرئيس المصري أنور السادات الذي ذهب إلى القدس إحقاقًا للسلام مع إسرائيل.
المشهد الثاني هو لسيّدة لبنانية جنوبيّة، صوّرت من خلال هاتفها بيتها وقد تعرّض للقصف ودمّر، قائلة بصوت عالٍ ومرتجف" بيتي مش فدا حدا"، في ردّ واضح على أقوال مؤيّدي" حزب اللّه" القائلين إن بيوتهم وأرزاقهم" فدا المقاومة".
أمّا المشهد الثالث فهو أكثر بساطة، وهو أنني استطعت أن آتي إلى هنا مسافرًا عبر مطار رفيق الحريري الدولي بيروت، المطار الذي قصف في كلّ الحروب التي سبقت إمساك الجيش اللبناني بالمرفق السياديّ.
بمعنى آخر، ما لا يدخله" حزب اللّه"، لا يقصف من قبل إسرائيل.
باختصار: هذه ليست حربنا.
لن نموت فداء لإيران.
نريد السلام.
على عكس ما يبدو المشهد هنا في كامبريدج، حيث البروباغاندا اليسارية الراديكالية تجعلكم تعتقدون أن اللبنانيين يريدون التحرير" من البحر إلى النهر"، فإن اللبنانيين وللمرّة الأولى في تاريخهم الحديث شبه موحّدين حول مجموعة من الأساسيات التي أعادوا تعريفها وبعدما كانت ولزمن طويل" تابوهات" محرّمًا علينا المسّ بها.
وإن هذا الإجماع (أو شبه الإجماع) لم يأت على الرغم من المآسي التي عاشها الشعب اللبناني خصوصًا في العامين الماضيين، بل أتى كنتيجة مباشرة لهذه التجربة.
يقول الباحث الألماني ثيودور هانف، صاحب أهم كتاب سياسي أكاديمي عن لبنان الحديث، إن توحّد اللبنانيين حول مفاهيم الوطنية والسيادة كان اكتمل في العام 1991 نتيجة تجارب الحروب العبثية (أجرى استطلاعات رأي متتالية حول الموضوع من العام 1980 إلى العام 1990).
إلا أن ذلك لم يأت بثمار نتيجة سياسات الاحتلال الأسديّ.
اليوم التجربة بلغت أوجها.
اللبنانيون شبه موحّدين – دولة وشعبًا - على ثلاثة عناوين تأسيسيّة، وهي عناوين ستحدّد الأطر المستقبلية للتجربة اللبنانية.
العنوان الأول هو التحاق لبنان بمحاور أيديولوجية عابرة للحدود.
قضى" حزب اللّه" بحربي الإسناد (غزة وإيران) على أي تأييد لبناني للمشاريع العقائدية العابرة للحدود الوطنية (شكرًا حزب اللّه! ).
في استطلاع أجرته شركة Gallup الأميركية، وهي من أبرز شركات الاستطلاع في العالم، قال 86% من اللبنانيين إنهم لا يؤيّدون إدخال لبنان بأي جهد عسكري دعمًا للقضيّة الفلسطينيّة (تخيّلوا لو كان السؤال عن النظام الإيراني).
حسم هذا النقاش: لا حروب لأجل الآخرين.
العنوان الثاني هو امتلاك" حزب اللّه" سلاحًا خارج إطار الشرعية اللبنانية.
عندما سئل اللبنانيون في الاستطلاع نفسه عمّا إذا كان الجيش اللبناني يجب أن يكون القوّة الوحيدة التي تمتلك سلاحًا في لبنان، أجاب 79% ب" نعم".
يمكن لأحد أن يقول إن هذا السؤال بديهي، فكلّ لبناني يطمح لذلك بالمبدأ، ولذلك فإن الجواب لا يعني الكثير بالمعنى السياسي.
لكن الأرقام التفصيلية تقول غير ذلك: المستطلعون من اللبنانيين الشيعة أجابوا بأغلبية كبيرة (71%) ب" لا"، أي إنهم فهموا أن الإجابة ب" نعم" تعني نزع سلاح" حزب اللّه".
29% فقط قالوا" نعم"، وهو رقم جيّد يبنى عليه في المستقبل، إلا أن عدد الذين قالوا" لا" يعطي مصداقية حقيقية لرقم ال79% الذين قالوا" نعم".
إذًا هذا النقاش أيضًا حسم: لا لسلاح الميليشيات في لبنان.
العنوان الثالث هو نظرة اللبنانيين إلى الجمهورية الإسلامية في إيران، قائدة مشروع الممانعة في المنطقة، والعنوان الأول لمشروع رفض السلام بين لبنان وإسرائيل.
في استطلاع أجرته شركة الدولية للمعلومات ونشر في صحيفة" النهار" اللبنانية، سئل اللبنانيون عن نظرتهم لإيران.
81% من المستطلعين قالوا إنهم ينظرون إلى إيران بشكل" سلبي" أو" سلبي جدًا"، بمن فيهم 50% من اللبنانيين الشيعة.
نقاش الاصطفاف الإقليمي حسم: لا للتحالف أو التقارب مع إيران الجمهورية الإسلامية ومشروعها في المنطقة.
عبر هذه الإجابات الثلاث، حسم اللبنانيون بأغلبيتهم العظمى (ثلثا النواب يكفي لتعديل الدستور في لبنان) الجدليات التاريخية حول هوّية البلد، دوره وموقعه من الصراعات في المنطقة.
والخلاصة المنطقية لهذه الخيارات الواضحة، والتي يجسّدها ثنائي عون - سلام في الدولة اللبنانية، هو سعي اللبنانيين إلى السلام الدائم: مع إسرائيل، مع سوريا، مع إيران، في ما بينهم.
وضع حدّ لسبعة وخمسين عامًا من الحروب العبثية لأجل الآخرين على أرض لبنان.
هذا هو التعبير الحقيقي عن حق اللبنانيين في تقرير مصيرهم بأنفسهم (self-determination).
على العالم أجمع، شعوبًا وحكومات وجامعات، دعم إرادة الشعب اللبناني بتقرير مصيره.
ولا يجوز لهذا الربط أن يكون خاضعًا لنظرية ترابط القضايا (intersectionality) أو النظريات العقائدية المتحجّرة العابرة للقضايا الوطنية.
فلا النظرة إلى سياسات الرئيس ترامب، أو إسرائيل، أو القضية الفلسطينية، يجب أن تؤثر على نظرة العالم لحق اللبنانيين في بناء دولة حديثة مسالمة ومتصالحة مع محيطها.
لبنان قضية قائمة بحدّ ذاتها.
اللبنانيون قرّروا واتفقوا.
يبقى التحدّي هنا في هارفرد، وفي غيرها من الجامعات العريقة في الولايات المتحدة والعالم، في الارتقاء إلى زمن ما بعد العقيدة المتحجّرة، ودعم الشعب والدولة في لبنان في مواجهتهما لتحرير أرضهما من" الإمبرياليات الصغيرة"، التي قد تبدو رومانسية من بعيد، لكن من عاش مفاعيلها في بيروت، يدرك أن التحرير الحقيقي ليس من خلالها، بل منها هي بالتحديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك