في الجاز، لا تبدو الموسيقى كأنها تسير دائمًا في طريق مرسوم مسبقًا.
تبدأ الجملة اللحنية من مكان معروف، ثم تنحرف قليلًا، وتفتح مساحة لآلة منفردة، قبل أن تعود إلى المجموعة، وتتوقف لحظة، ثم تواصل كأنها محادثة لا يملك أحد نهايتها وحده.
لهذا يبدو الجاز، بالنسبة إلى كثيرين، موسيقى حرة أكثر من كونه قالبًا موسيقيًا مغلقًا.
فهو لا يقوم على اللحن وحده، ولا على المهارة التقنية فقط، وإنما على الإصغاء المتبادل، والارتجال، والقدرة على أن يقول العازف شيئًا خاصًا به داخل لغة مشتركة.
اليوم العالمي لموسيقى الجازفي 30 أبريل/ نيسان من كل عام، يُحتفل باليوم العالمي للجاز، الذي اعتمدته منظمة" اليونسكو" عام 2011، لتسليط الضوء على هذا الفن ودوره في تعزيز السلام والحوار بين الثقافات.
وفي عام 2026، يحتفل اليوم العالمي للجاز بذكراه الخامسة عشرة، عبر فعاليات تُقام في أكثر من 190 دولة، مع حفل عالمي في مدينة شيكاغو الأميركية، إحدى المدن التي صنعت فصلًا مهمًا في تاريخ هذه الموسيقى.
ولا تنظر" اليونسكو" إلى الجاز بوصفه موسيقى للمتعة فقط.
فمنذ اعتماد يومه العالمي، قُدّم الجاز باعتباره لغةً للحوار والتعاون والاحترام المتبادل، لأنه وُلد أصلًا من تلاقي ثقافات وتجارب وأصوات مختلفة، ثم تطور عبر الهجرة والمدن والتحولات الاجتماعية.
ولهذا لا يقتصر اليوم العالمي للجاز على الحفلات الموسيقية الكبرى، إذ ترافقه عادةً ورش تعليمية، ولقاءات، وعروض، ونقاشات، وفعاليات في مدارس وجامعات ومراكز ثقافية.
الفكرة الأساسية أن الجاز لا يُحتفى به كتراث موسيقي فقط، وإنما كطريقة في الإصغاء إلى الآخر.
وفي نسخة 2026، تستضيف شيكاغو الحفل العالمي للذكرى الخامسة عشرة، بمشاركة فنانين من دول مختلفة، في إشارة إلى مكانة المدينة في تاريخ الجاز، وإلى الدور الذي لعبته في انتقاله من مساحات محلية إلى مشهد موسيقي عالمي.
وتوضح منصة اليوم العالمي للجاز أن شيكاغو تحولت، منذ عشرينيات القرن الماضي، إلى مركز إبداعي مهم، بعدما وصل إليها موسيقيون من نيو أورلينز عبر نهر المسيسيبي، وأسهموا في تطوير ما عُرف لاحقًا بـ" أسلوب شيكاغو" في الجاز.
لماذا يبدو الجاز كأنه محادثة؟في أنواع موسيقية كثيرة، ينتظر المستمع لحنًا محددًا يتكرر بالطريقة نفسها تقريبًا.
أما في الجاز، فهناك مساحة أكبر للمفاجأة.
قد يبدأ العازفون من موضوع موسيقي معروف، ثم يفتحون داخله أبوابًا صغيرة للارتجال.
عازف الساكسفون يجيب عازف البيانو، والإيقاع يدفع المجموعة إلى اتجاه جديد، بينما تحفظ آلة الباص الخط العميق، وتمنح الطبول الجملة الموسيقية نبضًا وحركة.
هذا ما يجعل الجاز قريبًا من الحديث المفتوح.
لا يتحدث الجميع في الوقت نفسه، ولا يصمت الجميع في الوقت نفسه.
هناك أخذ ورد، وانتظار، ومقاطعة محسوبة، وعودة إلى الفكرة الأولى، ثم خروج جديد منها.
في أفضل حالاته، لا يكون الجاز فوضى، بل نظامًا يسمح بحرية.
ولذلك لا يقوم الارتجال في الجاز على العشوائية، بل يحتاج إلى معرفة عميقة بالقواعد، كي يستطيع العازف أن يبتعد عنها من دون أن ينهار البناء كله.
يشبه الأمر شخصًا يعرف لغته جيدًا، فيستطيع أن يقول الجملة بطرق متعددة، وأن يضيف إليها نبرةً خاصةً، وأن يترك للآخرين فرصة الرد.
ولا يمكن فهم الجاز من دون العودة إلى الجذور الإفريقية الأميركية التي نشأ منها.
فهو يحمل آثار العبودية، والتمييز، والعمل الشاق، والكنائس، والأغاني الروحية، والبلوز، وحياة المدن الأميركية التي استقبلت موجات هجرة داخلية.
وفي هذه الخلفية، لم يكن الجاز مجرد موسيقى للتسلية، بل طريقةً لتحويل الألم إلى صوت، والتجربة اليومية إلى إيقاع، والتهميش إلى حضور فني.
ومن نيو أورلينز إلى شيكاغو ونيويورك، تحرك الجاز مع الناس.
انتقل من الشوارع والنوادي إلى المسارح والإذاعات، ومن الرقص الاجتماعي إلى عروض فنية معقدة.
ومع كل انتقال، كان يتغير من دون أن يفقد قدرته على امتصاص المؤثرات الجديدة.
وربما لهذا بقي الجاز قابلًا للتجدد، إذ دخل في حوار مع الموسيقى اللاتينية، والكلاسيكية، والروك، والهيب هوب، والموسيقى الإفريقية والعربية والآسيوية.
في كل مرة، بدا كأنه يقول إن الهوية الموسيقية ليست جدارًا، بل مساحة لقاء.
شيكاغو.
حين صنعت المدينة أسلوبهاتحتل شيكاغو موقعًا خاصًا في تاريخ الجاز.
ففي عشرينيات القرن الماضي، أصبحت المدينة محطةً رئيسيةً لموسيقيين قدموا من نيو أورلينز، بينهم أسماء كبرى مثل لويس أرمسترونغ وكينغ أوليفر وجيلي رول مورتون.
وهناك، تطور أسلوب أكثر سرعةً وإيقاعًا، يمنح العزف المنفرد والارتجال مساحةً أوسع، ويبرز آلات مثل الساكسفون بصورة أوضح.
ولم يكن ذلك التحول موسيقيًا فقط، بل كانت المدينة نفسها تتغير: هجرة، وصناعة، وأحياء جديدة، ونوادٍ، وإذاعات، وتداخل ثقافي واسع.
كان الجاز يسمع إيقاع المدينة ويعيد إنتاجه، لذلك ارتبطت شيكاغو لا بالموسيقى وحدها، بل بفكرة أن المدن الكبرى تستطيع إعادة صياغة الفنون التي تصل إليها.
حتى الإذاعة لعبت دورًا في هذه الذاكرة.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن عددًا من مذيعي الجاز في شيكاغو اجتمعوا هذا العام ضمن فعاليات اليوم العالمي للجاز، لاستعادة تاريخ المدينة مع برامج الجاز الإذاعية، بعدما كانت المدينة في أربعينيات القرن الماضي مركزًا مهمًا لشبكات إذاعية نقلت هذه الموسيقى إلى جمهور واسع.
" الارتجال ليس خروجًا من النظام"وقد يظن من يسمع الجاز للمرة الأولى أن الموسيقى تمضي بلا خطة، لكن الارتجال في الجاز ليس هروبًا من النظام، بل علاقة مرنة معه.
هناك مقام، وإيقاع، وتوافقات، وذاكرة موسيقية مشتركة، غير أن العازفين لا يكررونها كأنهم يقرأون نصًا مغلقًا، بل يعيدون اكتشافها في كل أداء.
ولهذا يمكن للقطعة نفسها أن تبدو مختلفة من ليلة إلى أخرى، لا لأن العازفين نسوا شكلها، بل لأنهم يتركون للحظة الحاضرة أن تدخل في الموسيقى.
مزاج الجمهور، وطبيعة المكان، والعلاقة بين أعضاء الفرقة، وحتى خطأ عابر قد يتحول إلى فرصة لجملة جديدة.
في هذا المعنى، يعلّم الجاز شيئًا يتجاوز الموسيقى: كيف يمكن للإنسان أن يكون منضبطًا وحرًا في الوقت نفسه؟ كيف يصغي إلى الآخرين من دون أن يفقد صوته؟ وكيف يشارك في بناء جماعي من دون أن يذوب داخله بالكامل؟لم يعد الجاز الموسيقى الشعبية الأولى كما كان في بعض مراحل القرن العشرين، ومع ذلك لم يختفِ.
بقي حاضرًا في الجامعات والمعاهد والنوادي والمهرجانات والأفلام والتجارب الموسيقية المعاصرة.
وربما يعود ذلك إلى أنه لا يعيش فقط على الانتشار الجماهيري الواسع، بل على قدرته على التأثير في فنون أخرى، وعلى إغراء أجيال جديدة بفكرة الحرية داخل الشكل.
كثيرون لا يستمعون إلى الجاز يوميًا، لكنهم يعرفون إحساسه: ضوء خافت في نادٍ صغير، ساكسفون وحيد في مشهد سينمائي، بيانو يترك جملةً معلقةً، أو إيقاع يبدو كأنه يمشي في شارع ليلي.
صار الجاز، في المخيلة العامة، صوت المدينة حين تهدأ قليلًا، وصوت الإنسان حين لا يريد قول كل شيء بالكلمات.
ومن هنا تأتي جاذبيته المستمرة.
فهو لا يطلب من المستمع أن يفهم كل التفاصيل التقنية، بل يكفي أن يصغي إلى الحوار: آلة تسأل، وأخرى تجيب، وثالثة تفتح طريقًا، ورابعة تعيد الجميع إلى الإيقاع.
في النهاية، لا تبدو موسيقى الجاز كأنها مقطوعة مغلقة، بل كأنها لقاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك