كل أصدقائى أشطر منى.
وقعوا فى غرام أشرف البولاقى وتجنبت الوقوع وأنا أظنها شطارة!كل منهم لديه معه قصة محبوكة، مليئة بالتشويق والدراما، بينما ما أمتلكه مجرد حكايات مبتورة ومشوهة، لا تقول شيئاً مفهوماً، وكأن علاقتنا تشبه مسبحة بحبات غير منسجمة وناقصة العدد!صفعنى خبر وفاة أشرف، ولم أتحمَّل الصفعة، وصرخت من الألم، وجاهرت بتعرُّضى للظلم، مثلى مثل طالب تعمَّد عدم حضور الامتحانات، وعندما ظهرت النتيجة، وعلم برسوبه فى جميع المواد، قدَّم شكوى فى إدارة المدرسة!لم أتعرَّف على أشرف البولاقى فى قصر الثقافة، مثل أدباء قنا، لم أقابله فى ندوة، أو على المقهى فى جلسات المثقفين، لم يقدمنى له زميل أو صديق، ساقتنى إليه الواسطة، وكان واسطتى سيدى عبدالرحيم القناوى.
كنت حينها طالباً مستجداً بالكلية، ولا أعرف ما الذى جعلنى أخرج مبكراً على غير العادة، وأمام مسجد سيدى عبدالرحيم، وجدت عربية «كسكسى»، ورغم أننى قروى لم يكن قد تذوَّق الكسكسى من قبل، ولا يعرف حتى اسمه، وليس من عادتى أن أتناول ما أجهله، إلا أننى طلبت من البائع طبقاً.
كان البائع يدخن سيجارة فى فمه ويعمل بكلتا يديه، تحدَّث معى بالعربية الفصحى، ولم يتوقف عن تلاوة الشعر وكأنه يردد أذكاره الصباحية، وأنا أتناول طبقى، وبدلاً من أن يلفت انتباهى بثقافته وتمكنه من اللغة وبراعته فى الإلقاء، ظهر فى عينىَّ شخصاً مريباً، وتجنبت الدخول فى حوار معه، باستثناء كلمتين (بكام؟
اتفضل).
كان ذلك البائع هو أشرف البولاقى!المرة الثانية فى قصر ثقافة قنا (القديم) بجوار مبنى المحافظة، ذهبت لمقابلة محمد صالح البحر، ولم أجد إلا البولاقى، كان يجلس وحيداً خلف مكتب فارغ، يردد أبياتاً من الشعر كعادته، ولم أتردد فى الانصراف بمجرد علمى أن «البحر» غير موجود.
لا أعرف السبب الذى جعلنى أبحث عن عنوان منزل أشرف البولاقى، وأذهب إليه، هل توطدت العلاقة بيننا إلى هذا الحد؟ هل كنت أريد توقيعاً منه على أوراق تخص قصر الثقافة؟ كل ما أتذكره الآن أننى لم أستدل على الشارع بسهولة، وحين وصلت إليه لم أستدل على البيت، فسألت بقالاً على الناصية: تعرف بيت الأستاذ أشرف البولاقى فين؟- أشرف البولاقى.
أشرف البولاقى.
وده بيشتغل إيه يا أستاذ؟فإذا بالبقال يصيح بصوت عالٍ موجهاً كلامه للحلاق الذى بجواره بنبرة ساخرة: بيقولك شاعر يا محمد!كان يأتى دائماً إلى الكلية للمشاركة فى الأمسيات الشعرية، وباعتباره موظفاً فى قصر الثقافة يحضر الندوات التى تقام فيه، يناقش، ويطرح الآراء، ويشتبك مع الضيوف، ولكنى كنت أفضل الحديث مع محمد نصر يس، وكرم الأبنودى، ومحمود مغربى، وأحمد حسين عاشور الدقر، ومحمود عبدالستار، ومصطفى جوهر وغيرهم، وأتجنبه لسبب لا علم لى به.
اكتشاف أشرف بالنسبة لى لم يأتِ من المقابلات والاحتكاك، ولكن عن طريق «فيس بوك»، كنت زبوناً دائماً على صفحته، وسواء تفاعلت مع المنشور الذى يكتبه أو لم أفعل، إلا أننى لا أستطيع تجاهله أبداً، يمتلك لغة خاصة تمزج بين القديم والحديث والمعاصر، وفى حاجة إلى دراسة عميقة لسبر أغوارها ومعرفة مفاتيحها.
كاتب موسوعى، لا يكتفى باستعراض عضلاته المعرفية، ولكنه يتجاوزها إلى طرح أفكار مختلفة، سواء اتفقت معها أو أثارت حفيظتك، إلا أنه بارع جداً فى فرضها بقوة البلاغة.
فى سنواته الأخيرة كان يخرج علينا كل شهر أو شهرين تقريباً وهو يقول إنه قام بتأليف كتاب، وينشر الغلاف على صفحته، يكتب فى كل المجالات (شعر، قصة، دراسات، مقالات)، لم يوقفه إلا الموت.
من أين يأتى بالوقت وهو دائم الحل والترحال، والاشتباك مع جمهوره على الفيس بوك، سواء على العام والخاص؟ !
مخاوى مثلاً.
وليه لأ!اللحظة التى اقتربت فيها من أشرف كانت حين دعانى لقصر ثقافة نجع حمادى، لأتحدث عن مشوارى فى الإبداع والصحافة، وجدته ودوداً، سخياً، مرهف الحس، صادقاً فى التعبير عن مشاعره نحوى، ولم أنتهز الفرصة وأبادله المحبة.
أرسل لى مجموعة قصصية له على الخاص، وتناولتها بالنقد على العام، ورغم أننى لم أُثنِ عليها كما يجب، إلا أنه شكرنى بشدة، وقال لى إنها القراءة الوحيدة التى تفاعل معها.
أحببت علاقته بالشاعر عمرو الشيخ، صدَّقتها، كان بينهما الكثير من الانسجام والمرح، علاقة فى منتهى الذكاء تجعل القارئ هو الطرف الثالث فيها، ولذلك كان عمرو أول شخص خطر فى بالى حين علمت بنبأ الوفاة، أشفقت عليه، وأنا أدرك أن نصفه قد مات.
لم يكن أشرف شخصاً واحداً، كان مجموعة من الأشخاص، يشبه مسبحة بحبات غير منسجمة وزائدة فى العدد.
أشرف الذى أنصفه الموت، وصار «تريند» على مواقع التواصل، يستحق شارعاً باسمه فى قنا، لافتة زرقاء لن تكلف المحافظة شيئاً، يُكتب فيها «شارع أشرف البولاقى».
الشاعر يا محمد!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك