غير أن هذه العلبة الصغيرة تحمل وراءها قصة أكبر بكثير من حجمها.
فهي تختصر رحلة طويلة تبدأ في المحيط، وتعبر سفن الصيد والموانئ والمصانع وسلاسل التبريد والنقل والتجارة العالمية، وتنتهي على رف متجر قريب.
وفي الطريق، تفتح أسئلة عن الأمن الغذائي، واستدامة الصيد، وحقوق العاملين في البحر، والتلوث، والملصقات التي يقرؤها المستهلك أو لا يلتفت إليها.
لهذا لا يبدو اليوم العالمي للتونة، الذي يُحتفل به في 2 مايو/ أيار من كل عام، مناسبة غريبة كما قد يظن البعض.
فقد خصصت الأمم المتحدة هذا اليوم للتنبيه إلى أهمية إدارة مخزونات التونة بصورة مستدامة، ودورها في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، نظرًا إلى مكانتها في الغذاء والتجارة وسبل عيش ملايين الناس حول العالم.
لا تشبه التونة كثيرًا من الأسماك التي تبقى مرتبطة بسواحل محددة أو أسواق محلية.
فهي من الأسماك المهاجرة التي تعبر مسافات واسعة في المحيطات، وتدخل في تجارة عالمية ضخمة.
ولهذا لا تكون إدارتها مسؤولية دولة واحدة فقط، إذ تتحرك بين مناطق اقتصادية ومياه دولية، وتحتاج إلى تعاون بين حكومات ومنظمات إقليمية للصيد وشركات وعلماء ومراقبين.
وبحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة" الفاو"، بلغت قيمة السوق العالمية للتونة نحو 40 مليار دولار سنويًا، وبلغ المصيد التجاري من التونة 5.
2 ملايين طن عام 2023، أي ما يعادل 6.
5% من مجموع الأسماك المصطادة في البحر.
كما تشير المنظمة إلى أن 96 دولة أعضاء في المنظمات الإقليمية الخمس المعنية بإدارة مصايد التونة.
هذه الأرقام تفسر لماذا تحظى التونة بيوم عالمي خاص.
فالمسألة لا تتعلق بطعام محفوظ في علبة فقط، وإنما بمنظومة اقتصادية وبيئية واسعة، ترتبط بدول جزرية تعتمد على الصيد، وبشركات تصنيع وتصدير، وبعمال على سفن وموانئ، وبمستهلكين في كل مكان.
لماذا صارت التونة طعامًا يوميًا؟جزء من انتشار التونة يعود إلى طبيعتها العملية.
فهي مصدر بروتين سهل الحفظ والنقل، خصوصًا عندما تُعلّب في الزيت أو الماء أو المحلول الملحي.
لا تحتاج إلى ثلاجة قبل فتحها، ولا إلى إعداد معقد، وتصلح لوجبات متعددة، ما جعلها واحدة من أكثر الأطعمة البحرية حضورًا في الحياة اليومية.
في كثير من البيوت، لا تُشترى علبة التونة بوصفها" طبق سمك"، بل بوصفها حلًا سريعًا.
إنها طعام احتياطي، وجبة طارئة، أو مكوّن بسيط يرافق الخبز والخضار والسلطات.
وفي بلدان كثيرة، تساعد المعلبات عمومًا على سد فجوات الوقت والميزانية والوصول إلى الغذاء.
غير أن هذا الانتشار نفسه يجعل السؤال عن مصدر التونة مهمًا.
فكلما ارتفع الطلب، زاد الضغط على المصايد.
وكلما صارت العلبة سلعة يومية، صار من الضروري أن يعرف المستهلك أن الرحلة من البحر إلى الرف ليست محايدة، وأن وراءها خيارات في الصيد والتصنيع والتوزيع.
قد يظن المستهلك أن وفرة علب التونة في المتاجر دليل على أن البحر بخير.
لكن الأسواق لا تكشف دائمًا حقيقة المخزونات البحرية.
فقد تظل السلعة متوافرة فترة طويلة حتى مع وجود ضغط بيئي متزايد، لأن سلاسل الصيد والتجارة قادرة على تعويض النقص في منطقة من أخرى.
لهذا تُدار مصايد التونة عادة عبر منظمات إقليمية متخصصة، تضع قواعد للحصص والمراقبة وأنواع المعدات وفترات الصيد.
وتشير" الفاو" إلى أن مشروع التونة ضمن برنامج" المحيطات المشتركة" يعمل مع منظمات إدارة المصايد الإقليمية وشركاء علميين وبيئيين لتعزيز استراتيجيات الحصاد، ومنع الصيد الجائر، وتطوير أدوات المراقبة والتتبع، وتقليل الأثر البيئي للصيد.
واللافت أن صورة التونة ليست قاتمة بالكامل.
فبحسب" الفاو"، يأتي 99% من إنزالات التونة من مخزونات مُدارة لا تخضع للصيد الجائر، فيما تقول المؤسسة الدولية لاستدامة المأكولات البحرية إن 97% من المصيد التجاري العالمي من التونة يأتي من مخزونات عند مستويات وفرة صحية، وإن نحو 100% يأتي من مخزونات لا تتعرض حاليًا للصيد الجائر.
لكن هذه الأرقام لا تعني أن الخطر انتهى.
فالإدارة المستدامة تحتاج إلى استمرار، ومراقبة، وشفافية، ومنع للصيد غير القانوني، وتقليل للصيد العرضي، خصوصًا أن التونة تعيش في محيطات مشتركة يصعب ضبطها من دون تعاون دولي.
ما الذي قد يقع في الشباك غير التونة؟لا تتوقف المشكلة عند عدد أسماك التونة المصطادة.
فطريقة الصيد نفسها قد تؤثر في أنواع بحرية أخرى.
في بعض مصايد الخيوط الطويلة والشباك، قد تُصاد كائنات لا يستهدفها الصيادون أصلًا، مثل السلاحف البحرية، وأسماك القرش، والطيور البحرية، وبعض الثدييات البحرية.
وهذا ما يُعرف بالصيد العرضي.
لذلك تركز برامج الاستدامة الحديثة على تحسين أدوات الصيد، واستخدام معدات أكثر انتقائية، وتطوير وسائل لردع الطيور البحرية أو إطلاق السلاحف وأسماك القرش، وتقليل الضرر الذي تلحقه المصايد بالنظام البيئي.
وتشير" الفاو" إلى أن مشروعها يعمل على خفض الصيد العرضي وتشجيع ممارسات تقلل الضرر على الكائنات البحرية الأخرى، إضافة إلى الترويج لأجهزة صيد أكثر ملاءمة للمحيط.
هنا تصبح علبة التونة في البيت مرتبطة بسؤال لا يظهر على الطاولة: هل جاءت هذه السمكة من مصيد يراعي البيئة؟ هل استُخدمت طريقة تقلل الصيد العرضي؟ هل كانت هناك مراقبة كافية؟ وهل يعرف المستهلك من أين جاءت فعلًا؟بعد صيد التونة، تبدأ مرحلة طويلة قبل وصولها إلى المستهلك.
تُنقل الأسماك إلى موانئ أو سفن معالجة، ثم تدخل مصانع التنظيف والطهي والتقطيع والتعليب، وتُضاف إليها زيوت أو ماء أو ملح أو نكهات مختلفة، قبل أن تُغلق العلب وتُنقل إلى أسواق متعددة.
هذه الرحلة تجعل التونة جزءًا من التجارة العالمية للغذاء.
وقد تأتي علبة واحدة من سلسلة طويلة: صيد في محيط، تفريغ في ميناء، تصنيع في دولة، تغليف بعلامة تجارية في دولة أخرى، ثم بيع في متجر محلي.
لذلك تصبح الشفافية في سلاسل الإمداد مسألة مهمة، لا للمستهلك وحده، وإنما للرقابة على الصيد غير القانوني والعمل غير اللائق والتلاعب بالمصدر.
تسعى برامج كثيرة اليوم إلى تحسين التتبع، أي القدرة على معرفة مصدر السمكة وطريقة صيدها ومسارها في سلسلة التوريد.
وتؤكد" الفاو" أهمية أدوات مثل المراقبة الإلكترونية والتتبع والالتزام بالقواعد لمكافحة الصيد غير القانوني وغير المبلّغ عنه وغير المنظم.
ماذا تخبرنا بطاقة العلبة؟لا يقرأ كثيرون ما كُتب على علبة التونة.
ينظرون غالبًا إلى السعر، الوزن، الزيت أو الماء، وتاريخ الصلاحية.
لكن الملصق قد يحمل إشارات مهمة تساعد المستهلك على فهم ما يشتريه.
قد يتضمن الملصق نوع التونة، بلد الإنتاج أو التعبئة، طريقة الحفظ، الوزن الصافي، المواد المضافة، وأحيانًا طريقة الصيد أو شهادة استدامة.
ومع أن هذه المعلومات تختلف بين الأسواق والشركات، فإن وجودها يساعد المستهلك على طرح أسئلة أبسط: هل هذه تونة وثّابة" سكيبجاك" أم صفراء الزعانف أم نوع آخر؟ هل صيدت بالخيط أم بالشباك؟ هل تحمل شهادة موثوقة؟ هل يوضح المنتج مصدر السمك؟ليست مهمة المستهلك أن يصبح خبيرًا في المصايد، لكن قراءة الملصق تمنحه دورًا صغيرًا في سلسلة كبيرة.
فكلما زاد الطلب على المنتجات التي تكشف مصدرها وتلتزم بمعايير الاستدامة، زاد الضغط على الشركات كي تجعل سلاسلها أكثر شفافية.
علبة صغيرة وأمن غذائي كبيرفي عالم ترتفع فيه أسعار الغذاء وتتغير فيه أنماط الاستهلاك، تكتسب الأغذية البحرية أهمية إضافية.
تشير" الفاو" إلى أن الإنتاج العالمي من المصايد وتربية الأحياء المائية بلغ مستوى قياسيًا عام 2022، وأن استهلاك الفرد السنوي من الأغذية المائية الحيوانية وصل إلى 20.
7 كيلوغرامًا، بعدما كان 9.
1 كيلوغرامات عام 1961.
كما تشير إلى أن المصيد البحري التقليدي ظل مستقرًا تقريبًا منذ أواخر الثمانينيات، ما يزيد أهمية إدارة الموارد البحرية الموجودة على نحو أفضل.
في هذا السياق، لا تكون التونة مجرد وجبة سريعة.
إنها جزء من سؤال عالمي عن كيفية إطعام عدد متزايد من السكان من دون استنزاف البحر.
فالطلب على البروتين مستمر في الارتفاع، والمحيطات لا تستطيع تقديم كميات لا نهائية.
لذلك يصبح التحدي مزدوجًا: توفير الغذاء بأسعار مقبولة، وحماية المخزونات البحرية كي لا تنهار تحت ضغط الاستهلاك.
حتى عندما تكون المصايد مُدارة بصورة أفضل، لا تنتهي الأسئلة.
فهناك قضايا مرتبطة بانبعاثات أساطيل الصيد، واستخدام الوقود، والنفايات البلاستيكية، ومعدات الصيد المفقودة، وظروف العمل على السفن، وحصة المجتمعات الساحلية من عائدات الموارد البحرية.
كما أن التحسن في بعض مخزونات التونة لا يعني أن كل البحار آمنة، أو أن كل الأنواع في الوضع نفسه، أو أن كل الشركات تلتزم بالمعايير ذاتها.
لذلك يظل اليوم العالمي للتونة مناسبة للتذكير بأن النجاح في إدارة بعض المصايد يجب أن يدفع إلى مزيد من الرقابة، لا إلى الاطمئنان السريع.
فالاستدامة ليست ملصقًا جميلًا فقط.
إنها سلسلة طويلة من القرارات: كيف نصيد؟ كم نصيد؟ من يراقب؟ من يستفيد؟ من يعمل؟ ومن يتحمل كلفة الخطأ إذا انهارت المخزونات؟قد لا يفكر من يفتح علبة تونة في كل هذه الأسئلة.
وهذا مفهوم.
فالطعام اليومي يصبح عاديًا لكثرة حضوره.
لكن قوة هذه العلبة تكمن في عاديتها تحديدًا.
فهي تجعل البحر حاضرًا في بيت لا يطل على الساحل، وتجعل المحيط جزءًا من وجبة سريعة في مدينة بعيدة، وتربط المستهلك بعمال وسفن وموانئ وقوانين ومخزونات سمكية لا يراها.
لذلك تختصر علبة التونة قصة البحر والغذاء اليومي.
إنها مثال صغير على الطريقة التي صار بها العالم يأكل من موارد مشتركة، ويتبادل الغذاء عبر مسافات هائلة، ويحتاج في الوقت نفسه إلى إدارة أكثر عدالة وشفافية لما يخرجه من المحيط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك