تشهد القارة الأوروبية تحولًا لافتًا في تموضع القوات الأمريكية، بعد إعلان وزارة الدفاع الأمريكية سحب نحو 5 آلاف جندي من ألمانيا، في خطوة تعكس مراجعة أعمق للعقيدة العسكرية لواشنطن تجاه حلفائها في حلف الناتو.
القرار يأتي في سياق توترات سياسية متصاعدة بين الولايات المتحدة وبعض العواصم الأوروبية، على خلفية اتهامات أمريكية متكررة بعدم تقاسم أعباء الدفاع بشكل عادل، إلى جانب تباين المواقف بشأن ملفات دولية، أبرزها الأزمة مع إيران.
وقد بلغ هذا التوتر ذروته في سجال علني بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس.
ورغم هذا الانسحاب، تكشف بيانات حديثة صادرة عن مراكز أمريكية متخصصة أن الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا لا يزال واسعًا، إذ يقترب عدد القوات المنتشرة بشكل دائم من 68 ألف جندي، موزعين على قواعد متعددة في أنحاء القارة، دون احتساب القوات التي يتم نشرها بشكل دوري لأغراض التدريب والردع.
وتدير القيادة الأمريكية في أوروبا هذا الانتشار عبر منظومة متكاملة تشمل عدة أفرع عسكرية، من بينها القوات البرية والجوية والبحرية، إضافة إلى قوات العمليات الخاصة والفضاء، انطلاقًا من قواعد رئيسية في ألمانيا وإيطاليا، ما يمنحها قدرة على التحرك السريع والاستجابة للأزمات في أوروبا وأفريقيا.
ولا تزال ألمانيا تمثل المركز الأهم للوجود العسكري الأمريكي، حيث تستضيف أكثر من 36 ألف جندي، موزعين على عدة قواعد رئيسية، من أبرزها قاعدة رامشتاين الجوية التي تعد محورًا لوجستيًا وعملياتيًا رئيسيًا منذ خمسينيات القرن الماضي.
وتأتي إيطاليا في المرتبة الثانية من حيث عدد القوات، بأكثر من 12 ألف جندي ينتشرون في عدد من القواعد الحيوية، تليها بريطانيا التي تضم أكثر من 10 آلاف عسكري أمريكي، معظمهم ضمن سلاح الجو.
كما تستضيف إسبانيا نحو 3800 جندي في مواقع استراتيجية تطل على مضيق جبل طارق.
في المقابل، يبرز نمط مختلف للانتشار في شرق أوروبا، حيث تعتمد واشنطن على مزيج من الوجود المحدود الدائم والقوات المتناوبة.
ففي بولندا، لا يتجاوز عدد الجنود المقيمين بشكل دائم بضع مئات، لكن يتم دعمهم بآلاف الجنود ضمن مهام دورية، في إطار ما يعرف بمبادرة الردع الأوروبية.
وينطبق هذا النموذج أيضًا على رومانيا والمجر، حيث يظل الوجود العسكري الدائم محدودًا، لكنه مدعوم بعمليات انتشار مستمرة تعكس أهمية الجبهة الشرقية في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية.
وبينما تقلص واشنطن حضورها في بعض مواقع أوروبا الغربية، تواصل تعزيز حضورها المرن في الشرق، في محاولة للحفاظ على توازن الردع في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة، بما يعكس تحولا من التمركز الثابت إلى الانتشار الديناميكي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك