القدس-»القدس العربي: » لن يصدق الزائر الجديد لحي الشيخ جراح في شمال البلدة القديمة من مدينة القدس الشرقية المحتلة أن الحديقة الجميلة والمخصصة للأطفال والتي تضم ألعابا حديثة بألوان زاهية وتقع على أرض مكونة من 6 دونمات في منطقة كرم المفتي قد دشنت قبل ثلاثة أعوام على مساحة منزلين قديمين يعودان لعائلة المقدسي محمود صالحية.
لقد هدم الاحتلال المنزلين بزعم المصادرة بحجة المنفعة العامة لإقامة حدائق ومجمع مدارس ومراكز تعليمية لبلدية الاحتلال في الحي فيما الوقائع على الأرض تقول إن ذلك الهدم جاء ليخدم تفريغ الحي وتهجير سكانه.
هذا المشهد البسيط يبدوا فارقا في فهم «حكاية الحي الغصة» كما يصفه الناشط المقدسي إسامة برهم، فبتاريخ 19/1/2022 صّعدت عائلة المقدسي صالحية الموقف مع سلطات الاحتلال، صعد محمود إلى سطح منزله المغطى بـ«الكرميد الأحمر» مع عدد من أفراد أسرته حاملين معهم عبوات غاز ومواد قابلة للاشتعال، وهناك هددوا بإضرام النار بأنفسهم، رفضا لمحاولة إخلاء العقار الفلسطيني من ساكنيه في الحي المقدسي الشهير.
كان المشهد تعبيرا عن انتهاء الخيارات وتراكم الخيبات، وفي ظل إحساس العائلة أن سلطات الاحتلال عازمة على تهجير عائلة صالحية أسوة بعشرات العائلات المقدسية التي تعكس جانبا من حكاية تهويده وتشريد سكانه.
وبذات اليوم من عام 2022، وفي حوالي الساعة 3: 00 من فجر الأربعاء، غافلت سلطات الاحتلال النشطاء بعد تعب وإعياء وسهر، واقتحمت المنطقة التي يقع فيها المنزلان بحوالي 30 دورية عسكرية وعشرات من ضباط المخابرات، طرد النشطاء واعتقل جزء منهم، وهدمت الجرافات الضخمة البيتين.
لم ينته المشهد، فبعد ساعات من هدم المنزلين تم مسحهما بالكامل عبر جلب شاحنات ضخمة نقلت الدمار والركام وكافة الأغراض إلى «مكب عطروت للنفايات».
وبحسب برهم: «لم يشهد التاريخ هدم بيت وجرفه تماما، لقد أرادوا مسحه عن الخريطة في غضون ساعات، يومها استعان محمود صالحية بأصدقاء وأقارب من أجل الذهاب للمكب من أجل لملمة بقايا أغراضه وملابسة وصوره وحقائبه».
وبتاريخ 23 كانون الثاني/يناير من نفس العام، أي بعد الهدم بأربعة أيام، رفضت محكمة الاحتلال المركزية في القدس، الاستئناف الذي تقدّمت به العائلة والحجة «أن هدم المنزل صار أمرًا واقعًا».
اليوم يعيش صالحية وعائلته المكونة من 13 مقدسيا في مخيم شعفاط في بيت مستأجر وهو شاهد على تحول خريطة الحي بكاملها.
فبعد أن كان يعيش في منزل تراثي جميل بني قبل عام 1948، ويمتلك مشتل لبيع الورد والأشجار أصبح لاجئا في وطنه المحتل للمرة الثانية.
في مقابل تهجير العائلات المقدسية التي تسكن الحي تجري أكبر عملية استبدال وإزاحة وتبديل هوية المكان وساكنيه، يجري ذلك كما يقول الناشط برهم «بهدوء وحذر شديدين».
لقد قررت سلطات الاحتلال قبل أيام المصادقة رسميا على إنشاء مدرسة دينية يهودية متشددة في قلب حي الشيخ جراح، ويحمل المشروع اسم «أور سوماياخ»، وكما يصفه الخبير في شؤون القدس الدكتور جمال عمرو «إنه اغتصاب للحي وليس مشروع فيه»، ويبدو أن عملية جلب المستوطنين فرادا وبالعشرات إلى قلب الحي المقدسي تحولت إلى عملية أكثر سرعة.
ولا يمثل المشروع الجديد مجرد بناء تعليمي، بل يُعد أداة استيطانية ضخمة تتألف من 11 طابقا لتوطين مئات المستوطنين في واحدة من أكثر المناطق حساسية من الناحية الجيوسياسية كما يصف نشطاء.
وحسب منظمة «عير عميم» اليسارية الإسرائيلية المتخصصة بشؤون القدس، فإن لجنة التخطيط في القدس قد وافقت رسميا على المشروع بعد أن «رُفضت الاعتراضات التي قدمتها المنظمة بالاشتراك مع جمعية الشيخ جراح المجتمعية».
وأشارت المنظمة الحقوقية إلى أن «المدرسة ستضم سكنا لمئات الطلاب اليهود المتشددين، بالإضافة إلى مساكن لأعضاء هيئة التدريس».
والنتيجة الماثلة للمشروع هو أنه «سيزيد بشكل ملحوظ من وجود المستوطنين في الحي، بما يثير مخاوف أمنية لدى السكان الفلسطينيين، ويُغير من طبيعة المنطقة».
أما جغرافيا، فتقع الخطة على مساحة 5 دونمات على طول المدخل الجنوبي للحي الفلسطيني، مقابل مسجد الشيخ جراح مباشرة.
كما أن وقوع قطعة الأرض المستهدفة على مقربة من تجمعات استيطانية يهدد عشرات العائلات الفلسطينية بالإخلاء واستيلاء مستوطنين على منازلهم.
وكشفت المنظمة أن المسار القانوني للأرض شهد تحولا مثيرا للجدل، فبينما كانت الخطة الأصلية للحي تُخصصها لإقامة مبانٍ ومؤسسات تعليمية عامة لخدمة السكان، تنازلت البلدية عنها عام 2007 لصالح «سلطة أراضي إسرائيل»، وذلك بهدف تحويل غرض استخدامها وشرعنة بناء مدرسة دينية يهودية (يشيفا) للمتشددين في قلب الحي الفلسطيني.
واعتبرت المنظمة الحقوقية أن استئناف العمل بهذه الخطة يأتي في سياق أوسع يتمثل في «تكثيف الجهود الرامية إلى توسيع الاستيطان الإسرائيلي في الحي، وتشريد سكانه الفلسطينيين».
وبحسب مقدسيين ومنهم الناشط المقدسي برهم فإن المشروع الجديد يقع فيما يعرف بـ«كوبانية أم هارون»، وهي تقع في منطقة تضم أراضي النقاع غربي حي الشيخ جراح في القدس، ويستهدفها الاحتلال الإسرائيلي بمشاريع استيطانية تعزز سيطرته على محيط المدينة، مما يهدد استقرار عشرات الفلسطينيين الذين يقيم بعضهم في الحي منذ أكثر من 70 عاما.
ويمتد الحي على مساحة نحو 12 دونما من بينها 8 دونمات استأجرها يهود لفترة محدودة وأطلقوا عليها اسم «كوبانية أم هارون».
وهناك يطوق الاحتلال الحي ضمن ما يسميه «الحوض المقدس»، وهو مشروع استيطاني ضخم يربط بين المستوطنات الواقعة شمال القدس مثل «رمات أشكول»، والممتدة غربا على جبل المشارف، ويهدف إلى محاصرة الأحياء الفلسطينية في قلب المدينة.
ويقطن أراضي النقاع نحو 200 فلسطيني، من بينهم عائلة السعو وشريتح وأبو دولة والخطيب والبشيتي والكسواني وسالم ومحسن وغزاوي، إلى جانب عائلة شماسنة التي أجبرها الاحتلال على إخلاء منزلها.
وتعود ملكية أراضي النقاع إلى مقدسيين شقيقين يملكان حجة وقف ذري مؤرخة بتاريخ 1229، تنص على تخصيص الأرض لأفراد العائلة بالتوريث، وتمنع التصرف بها خارج نطاق العائلة، ويشاركهما في ملكية جزء من الأرض، سليمان درويش حجازي، الذي اشتراها عام 1961.
وتشير الوثائق أنه في عام 1889 أجّر أحد الشقيقين الوقف/الأرض إلى اليهودي يوسف بن رحاميم ميوحاس، مدة 90 عاما تنتهي عام 1979 وفق عقد إيجار موثق في المحكمة الشرعية بالقدس، وحاز بموجب ذلك حق الانتفاع بالأرض ما استمر بدفع الأجرة السنوية المقررة.
والأخير بدوره أجّر الأرض لعدد من اليهود الذين أسسوا لاحقا ما عرف باسم «كوبانية أم هارون».
وتظهر إيصالات دائرة الأوقاف الإسلامية أن المستأجرين اليهود كانوا يسددون الأجرة السنوية بانتظام، حتى فروا من القدس في نكبة 1948.
وبعد انتهاء مدة تأجير الأخير عام 1979، خاض مالكا الوقف سلسلة طويلة من الجلسات أمام محاكم الاحتلال محاولين إثبات ملكيتهما للأرض، ومقدمين وثائق رسمية تعود للعهد العثماني والبريطاني والأردني، إلا أن المحكمة رفضت الوثائق كافة، بزعم أن ملكية الأرض تعود لمستوطنين يهود.
التفاصيل السابقة هي تاريخ مختصر لمنطقة فلسطينية يخطط الاحتلال الإسرائيلي لتنفيذ مشروع استيطاني كبير يشمل أراضي النقاع والمناطق المجاورة لها، مثل كرم المفتي وفندق «شيبرد» ومشاريع تابعة لوكالة الغوث واللاجئين «الأونروا» والحكومة الأردنية.
حيث تنبثق أهميته المنطقة في نظر الاحتلال من موقعها الإستراتيجي المحيط بالبلدة القديمة في القدس، مما يجعلها جزءا محوريا من مخطط يعرف باسم مشروع «حوض القدس»، الذي يهدف إلى إحكام السيطرة على المدينة، وربط شقيها الشرقي والغربي في إطار رؤية تهويدية شاملة.
يعتبر حي الشيخ جراح أحد أبرز أحياء مدينة القدس وأكثرها أهمية، حيث يقع في الجانب الشرقي من البلدة القديمة في المدينة.
وتكمن أهميته في كونه أول الأحياء الفلسطينية خارج أسوار القدس.
حيث يقع شمالي البلدة القديمة، ويوجد حول منعطف الطريق المؤدية إلى نابلس وتلك المؤدية إلى جبل المشارف (سكوبس).
ويقول: «كل من يأتي المدينة من شمالها، مثل: بيت حنينا، شعفاط، رام الله، نابلس لا بد له وأن يمر من الحي، فهو الطريق إلى القدس والممر اليومي للمقدسيين إلى مدينتهم».
وحول مساحة الحي يشدد برهم الذي يلقب بـ«حارس المدينة» أن المساحة الحقيقة تختلف عما يتداوله البعض، «فالمساحة المعروفة والمتداولة للحي لا تمثل سوى 10في المئة من مساحته الحقيقية»، ويشير إلى أنه على أنقاضها الحي هناك الكثير من الوجع، فالحي رسميا هي غصة، وكل ما تبقى منه هو البيوت القليلة التي عليها النزاع القانوني».
وتشير الأرقام الفلسطينية الرسمية أن مساحته تبلغ 808 دونمات، ويسكنه نحو 2800 نسمة، ويقع تحت السلطة الإدارية لبلدية الاحتلال في القدس.
وسُمي الحي بهذا الاسم نسبة إلى الأمير حسام الدين بن شرف الدين عيسى الجراحي، وهو من عائلة الجراحي، لذلك سمي الحي تيمنا باسمه منذ القرن الـ13 الميلادي.
ويعتبر الجراحي أحد أمراء صلاح الدين الأيوبي، حيث يقال إنه دفن في تلك الزاوية، وأن هناك عددا من المدفونين في جهتها القبلية، قد يكونون من جماعة الجراحي.
والحي بحسب برهم هو لوحة فسيفسائية صعبة للغاية، يمكن تقسيمها إلى جزأين، الأول قسم يضم الحي الدبلوماسي الذي يحتوي السفارات والقنصليات والممثليات الغربية، وهو ما يجعل عموم الدبلوماسيين الأجانب «يرون التهويد اليومي بأم العين».
وهناك أيضا مجموعة من المؤسسات الدولية مثل: الشرطة الأوروبية والأمم المتحدة، والوكالة الأمريكية للتنمية، وكذلك هناك مقر الأونروا الذي تم هدم أجزاء منه وإغلاقه.
وفي الحي أيضا مجموعة من أشهر الفنادق التي تضم فندق الامباسادو والامريكان كولوني، كما بنت فيه دولة الاحتلال ثلاثة فنادق إسرائيلية بعد الاحتلال عام 1967.
ويضم الحي أبرز العناوين الرسمية الفلسطينية في القدس، مثل: بيت الشرق، الذي كان مقرا لمنظمة التحرير الفلسطينية وأغلقته سلطات الاحتلال الإسرائيلي عام 2003، إضافة إلى المسرح الوطني الفلسطيني، قصر إسعاف النشاشيبي، وكذلك إلى جانب مستشفى العيون والمستشفى الفرنساوي.
ومن الأحياء السكنية الموجودة في المنطقة حي الحسينية، الذي كانت تقطنه عائلة إسماعيل بيك الحسيني، وسليم بيك ورباح الحسيني.
ويوجد فيه أيضا حي النشاشيبية، الذي يقع فيه فندق أمبسادور ومعهد الآثار البريطاني.
من الطرائف التي يسردها برهم أن الحي فيه عمارة أصبحت تابعة لإدارة حارس أملاك الغائبين بناها والد أسامة بن لادن الذي عاش في القدس عندما كان طفلا، وذلك عندما كانت تقوم شركة والده العقارية بطلاء قبة الصخرة بالذهب.
ويضم الحي مجموعة من العقارات الأردنية مثل قصرين للملك حسين، كما أن هناك ممتلكات تعود لجمهورية مصر وللبنان وسوريا، وكذلك مدرسة العبد الله بن الحسين التي تمت مصادرتها في 1967.
وفي مقابل كل ذلك عمل الاحتلال على تكثيف حضوره في الحي عبر مجموعة من العناوين الإسرائيلية، فهناك مكتب وزير الأمن الداخلي المتطرف ايتمار بن غفير، وهناك على الأقل ثلاث وزارات حكومية، وكذلك مقر الشرطة القطرية والأمن العام الإسرائيلي، ومؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلي.
والقسم الثاني من الحي يضم اللاجئين منذ الخمسينيات من القرن الـ20.
إلى جانب منازل لمقدسيين على الأراضي المجاورة.
ويظهر من ملامح البيوت أن قطع الأرض المخصصة للبناء في الحي لم تقل عن 800 متر مربع للبيت الواحد في القرن الـ19، ولم يزد علوّ البيوت عن طابقين.
وغالبا لم تكن المساحة المبنية في البيوت تتعدى 200 متر مربع، أمّا باقي المساحة فكانت تخصص للحدائق المزروعة بالورود والأشجار المثمرة المحيطة بالبيوت.
كما تميزت هذه البيوت بهندستها الفريدة وصالوناتها الفاخرة، وأيضا بالشبابيك المزخرفة ذات الطابع الشرقي.
وبحسب دراسة صادرة عن معهد أريج للدراسات التطبيقية فإنه على مدار سنوات طويلة تحول الحي الفلسطيني التاريخي إلى رمز للصراع المستمر على الأرض والهوية والسيادة في المدينة.
وهو أمر وإن كان قد بدأ منذ الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية عام 1967، إلا أنه تواصل حتى اللحظة إلى أكثر منطقة تشهد كثافة في النزاعات القانونية وعمليات الإخلاء القسري، فالصراع ليس مجرد نزاع على الملكية، بل يعكس المساعي الممنهجة لإعادة تشكيل التركيبة السكانية للقدس، وتقويض الوجود الفلسطيني، وترسيخ التوسع الاستيطاني الإسرائيلي.
حيث تواجه عشرات العائلات الفلسطينية خطر التهجير من منازل تقيم فيها منذ عام 1956، وفي ذلك العام قامت وزارة الإنشاء والتعمير الأردنية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأممية «أونروا»، بمنح 28 عائلة لاجئة فلسطينية منازل في الحي.
أما في 1970 قام الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) يقر قانونا يسمح للإسرائيليين، باستعادة أملاك لهم بالقدس، ادعوا ملكيتها قبل «النكبة» عام 1948.
يُمثل الانتقال من «حارس أملاك العدو» إلى «حارس أملاك الغائبين» تطوراً قانونياً صهيونياً لشرعنة الاستيلاء على ممتلكات الفلسطينيين.
بدأ بأنظمة طوارئ (1948) لمصادرة أملاك من صُنفوا «أعداء»، ثم ترسخ بقانون «أملاك الغائبين» (1950) الذي نقل ملكية أراضي اللاجئين لـ «حارس أملاك الغائبين»، لتتحول لاحقاً إلى سلطة التطوير.
يلفت الناشط برهم إلى ان تحول ملف العقارات في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية من إدارة «حارس أملاك العدو» الأردني (وهو قانون بريطاني بالأساس) إلى «حارس أملاك الغائبين» الإسرائيلي يمثل جوهر الصراع القانوني والسياسي الذي يهدد العائلات الفلسطينية بالإخلاء.
ومر هذا التحول التاريخي والقانوني بعدة مراحل، خلال الحقبة الأردنية: حارس أملاك العدو (1948 – 1967) حيث تأسيس الدائرة بعد حرب 1948، سيطر الجيش الأردني على القدس الشرقية، وأنشأت السلطات الأردنية دائرة «حارس أملاك العدو» لإدارة العقارات التي تركها اليهود في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وخلال هذه الفترة تم تدشين اتفاقية التسكين (1956) في محاولة لحل أزمة اللاجئين، اتفقت الحكومة الأردنية مع وكالة الغوث «الأونروا» على بناء 28 وحدة سكنية في منطقة «كرم الجاعوني» بالشيخ جراح لتسكين 28 عائلة فلسطينية لاجئة.
وكانت طبيعة العلاقة تنص على تسكين العائلات بناءً على اتفاقية تنص على دفع إيجار رمزي للأردن على أن تنتقل الملكية لهم بعد 3 سنوات، لكن هذا النقل لم يكتمل قانونياً بسبب حرب 1967.
كانت العائلات تعتبر «مستأجرين محميين» لدى حارس أملاك العدو.
أما في الحقبة الإسرائيلية فجاء التحول على شكل حارس أملاك الغائبين (ما بعد 1967) حيث قام الاحتلال بنقل الملف: بعد نكسة 1967 واحتلال القدس الشرقية، استولت إسرائيل على سجلات حارس أملاك العدو الأردنية، ونقلت إدارة هذه الممتلكات إلى «حارس الأملاك العامة الإسرائيلي» (القيم العام)، التابع لوزارة العدل الإسرائيلية.
وفي قانون أملاك الغائبين 1950 طبقت إسرائيل هذا القانون على القدس الشرقية، معتبرة الفلسطينيين الذين هُجروا من الشطر الغربي عام 1948 «غائبين»، وبالتالي أصبحت ممتلكاتهم -بما فيها المنازل التي سكنوها في الشيخ جراح- تحت تصرف القيم العام.
وكي يكتمل هذا المشهد طورت إسرائيل آليات تحويل الملكية لصالح المستوطنين (التواطؤ القانوني) عبر قانون الشؤون القانونية والإدارية (1970): سمح هذا القانون لليهود بالمطالبة بأملاك في القدس الشرقية كانت تحت إدارة حارس أملاك العدو الأردني.
وإلى جانب كل ذلك قامت سلطات الاحتلال بعمليات تسجيل غير قانوني عام (1972) حيث نجحت جمعيات استيطانية في تسجيل الأرض (17.
5 دونماً) في دائرة أراضي إسرائيل دون إبلاغ السكان، مما حوّل العائلات الفلسطينية من «مستأجرين محميين» إلى «غزاة» في نظر المحاكم الإسرائيلية.
وأخيرا شطب «الغائبين» حيث أصدر القيم العام الإسرائيلي شهادات «تحرير» لهذه العقارات ونقلها إلى اللجان الاستيطانية، مما أتاح رفع دعاوى إخلاء.
ولا يذكر الحي، وفق ما يقول الناشط المقدسي برهم، إلا ويذكر «مسمار جحا» أي قبر «شمعون الصّديق» الذي يُعد النواة الأساسية للتوسع الاستيطاني شرقي الحيّ.
ففي أرض «كرم الجاعوني» شرقي حي الشيخ جراح، يمكن رؤية مغارة محفورة في الصخر تملؤها اللافتات العبرية، تم السيطرة عليها منذ احتلال شرقي القدس عام 1967، وتم اتخاذها كنيسا.
وتزعم الرواية اليهودية أن القبر يعود لسمعان العادل البار أو شمعون الصديق، وهي تقول إنه رئيس الكهنة في عهد «الهيكل الثاني» وزمن الإسكندر المقدوني.
وبحسب برهم فإن المقدسيين يعرفون قبور المسلمين، من طريقة الدفن حيث يكون القبر الإسلامي باتجاه القبلة، وهو ما يدلل على أنه قبر إسلامي قام الاحتلال بالتعامل معه مثلما تعامل مع قبر يوسف دويكات شرق مدينة نابلس.
ويختم حديثه عن المغارة: «لقد تحول المغارة إلى حي يهودي للمتدينين، وفيه تدشن الاحتفالات الدينية التي يقصدها اليهود المتدينين».
وفق واقع الحي الصعب يشدد برهم على أن علاقة المقدسيين بالحي مفقودة، فالحي يفتقد الحياة الحيوية، نحول إلى «مواقف مدفوعة لسيارات للمقدسيين ومنه ينطلقون إلى البلدة القديمة والأقصى، الحياة بالحي ليست حيوية».
يتابع بحرقة: «الحي استوديو تصوير ضخم مليء بكاميرات المراقبة التي ترصد خصوصية الناس وتفاصيلهم، من يمر أو يعيش بالحي مراقب في دائرة مغلقة، وهو ما يجعله حي بائس تجرى محاولات تهويده بكثافة».
ويشير إلى أن العلاقة مع المكان «مقلوبة، وليست حميمية.
صحيح أنه يجب أن ندخل الحي لكن ذلك لا يتم إلا بشعور الغصة الذي يطارد الجميع.
لا يمكن أن نفرح في الحي.
لا يمكن تنظيم فعالية رياضية أو ترفيهية، فالحي ملوث بصريا بشعارات وأعلام الاحتلال.
إنه مكان مسيطر عليه تماما».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك