بدأت تأثيرات الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية بالظهور تباعًا إثر الحرب التي شنتها واشنطن وتل أبيب على طهران.
فقد بدأت طهران في خفض إنتاج النفط لمواجهة ضغوط التخزين وفق ما نقلت وكالة" بلومبرغ" عن مسؤول إيراني رفيع، وذلك في ظل استمرار تعثر محادثات السلام وانتقاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لأحدث مقترح إيراني في المفاوضات.
وفي هذا الإطار، يرى الباحث الاقتصادي والمتخصص في شؤون النفط والطاقة عمار الشوبكي أن تصريح المسؤول الإيراني يأتي في إطار الحرب النفسية والإعلامية بين طهران وواشنطن.
ويشرح أن الولايات المتحدة تراهن على أن قدرة إيران على التخزين قد تراجعت أو انتهت، ما يضطرها إلى البدء بإغلاق آبار الإنتاج.
ويشير إلى أن إعادة تشغيل هذه الآبار لاحقًا ستكون مكلفة وتستغرق وقتًا، الأمر الذي سينعكس سلبًا على الإيرادات الحالية والمستقبلية.
وتحاول إيران من خلال تصريحاتها إيصال رسالة بأنها بدأت بالفعل خفض الإنتاج، لكنها تقول إنها تمتلك خبرة سابقة في التعامل مع مثل هذه الظروف خلال فترات العقوبات، وتعرف أي الآبار يمكن إغلاقها بأقل خسائر ممكنة، مع القدرة على استعادة الإنتاج بسرعة عند الحاجة وفق الشوبكي.
إلا أن الباحث الاقتصادي يرى في حديث إلى التلفزيون العربي من عمّان أن هذه القدرة ليست بالسهولة التي يُصوّرها المسؤول الإيراني، مستشهدًا بتجربة ما بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي عام 2017، حيث احتاجت طهران إلى سنوات لاستعادة إنتاجها الكامل.
ماذا يعني خفض إيران لإنتاج النفط؟وعلى المستوى التقني، يوضح الشوبكي أن خفض الإنتاج يعني عمليًا إغلاق بعض الآبار، في ظل محدودية قدرات التخزين سواء البرية أو البحرية.
ويتم عادة اختيار الآبار التي يمكن التحكم بها بسهولة، لكن إغلاق الآبار القديمة تحديدًا قد يؤدي إلى تراجع دائم في إنتاجيتها، ويستلزم تقنيات وكلفة مرتفعة لإعادة تشغيلها، على عكس بعض الآبار الحديثة التي يمكن استعادتها بسرعة أكبر.
ويشير إلى أن الإدارة الأميركية تراهن على الأثر السريع لهذا الإجراء، من خلال الضغط على الاقتصاد الإيراني وتقليص قدرته على الإنفاق، ما قد يؤدي إلى اضطرابات داخلية.
كما تحمل هذه السياسة رسالة بعيدة المدى مفادها أن قدرة إيران على إعادة بناء قطاعها النفطي ستتراجع إذا استمر إغلاق الحقول، بما يدفعها إلى تقديم تنازلات في المفاوضات.
أما عن مسألة امتلاء الخزانات، فيوضح الشوبكي أن إيران تمتلك مخزونات برية وبحرية، إذ سبق أن استخدمت استراتيجية تخزين النفط على متن ناقلات خلال فترات العقوبات.
إلا أن هذه القدرة تبقى محدودة، ولا يمكنها استيعاب كامل الإنتاج، ما يفرض في نهاية المطاف خيار خفض الإنتاج.
وفي ما يتعلق بحجم الضرر، يرى الشوبكي أن التأثير لا يقتصر على إيران، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل التوريد، بما في ذلك الأسمدة والبتروكيماويات والغاز.
ويؤكد أن العالم قد يقترب من مرحلة الركود التضخمي، مع ارتفاع معدلات التضخم وتباطؤ النمو، ما قد يدفع البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة.
ويضيف أن الخيارات البديلة أمام إيران لتصدير النفط محدودة، إذ تعتمد على موانئ مجهّزة ببنية تحتية خاصة، بينما لا تستطيع المسارات البرية أو البدائل الأخرى تعويض الكميات الكبيرة التي كانت تُصدّر سابقًا.
وفي الخلاصة، يشدد الشوبكي على أن الرهان على الضغط الاقتصادي لتحقيق تغيير داخلي في إيران يبقى غير مضمون، وقد يشكّل في المقابل مجازفة كبيرة بالاقتصاد العالمي، في ظل أزمة طاقة معقّدة قد تكون من بين الأكبر في التاريخ الحديث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك