بقلم: حور بنت عبدالله العبيدانيةتشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية متسارعة تعيد رسم خريطة التحالفات الإقليمية، ويزداد الوضع تعقيدًا في دول الخليج منذ اندلاع المواجهة العسكرية في 28 فبراير 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وامتدت آثار هذه المواجهة لتشمل كامل الإقليم، مع هجمات وتوترات أمنية طالت دول الخليج، وهددت ممرات الطاقة والتجارة الدولية.
وفي مثل هذه الظروف المضطربة، تتجه كثير من المنصات الإعلامية إلى التصعيد الخطابي، فتتحول الأخبار للمزايدات، ويتحول التحليل إلى إضافي للصراع، غير أن الإعلام العُماني يبرز في هذا المشهد بنهج مختلف يرتكز على الاتزان والهدوء والبعد عن لغة التحريض، فيبدوا تتصاعد الأصوات الداعية إلى الاصطفاف الحاد، يواصل الخطاب الإعلامي في السلطنة تقديم قراءة متأنية للأحداث، تركز على تداعيات الحروب الإنسانية والاقتصادية، وتؤكد أهمية خفض التصعيد والبحث عن مخارج سياسية للأزمات.
لفهم هذا النهج، لا بدّ من النظر إلى الإعلام العُماني بوصفه امتدادًا طبيعيًا وانعكاسًا جليًا لسياسة سلطنة عُمان، فمنذ عقود طويلة رسخت مسقط سياسة خارجية أساسها التوازن الإيجابي، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، ولم تبقَ هذه الفلسفة محصورة في الدبلوماسية الرسمية، بل انعكست كذلك في الخطاب الإعلامي العُماني، الذي تشكّل ضمن رؤية ترى أن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق عبر التصعيد بل من خلال الحوار والتفاهم، وفي خضم الأزمات الكبرى تتضح هذه الفلسفة بجلاء أكبر، إذ لا ترتكز التجربة الإعلامية العُمانية على جياد سلبي أو ابتعاد عن قضايا المنطقة فحسب، بل على إدراك عميق لحساسية الكلمة في زمن الأزمات، حيث تتضاعف فيه سرعة انتشار المعلومات، وتتنامى فيه حملات التضليل، يُصبح الإعلام المسؤول أهم أدوات حماية الاستقرار المجتمعي.
ومن هنا، يتبنى الإعلام العُماني منهجًا مهنيًا واضحًا في التعامل مع الأحداث الإقليمية، يرتكز على رفض خطابات الكراهية والطائفية ولغة الاستقطاب الحاد، وتركز التحليلات والافتتاحيات كذلك على تشجيع الحلول السياسية ومعالجة الجذور العميقة للأزمات، بدلاً من الانخراط في الحلول العسكرية التي تؤثر سلبًا في الاستقرار الإقليمي.
ولا يقتصر دور الإعلام العُماني على متابعة التطورات الإقليمية فحسب، بل يمتد إلى الداخل أيضًا، إذ أثبتت المؤسسات الإعلامية الإعلامية طوال مسيرتها دورًا مهمًا في ترسيخ وعي وطني متوازن لدى المواطن، يُعزز الاعتزاز بالهوية والثوابت الوطنية دون الانجرار إلى الانغلاق أو خطاب الصدام مع الآخر، وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة، تعمل المنظومة الإعلامية العُمانية الجديدة، مع إتاحة مساحة أكبر للشباب للمشاركة في صناعة المحتوى، بما يُحصن المجتمع ضد موجات التضليل والاختراق الفكري.
ومن ثمّ، تبرز تجربة الإعلام العُماني بوصفها أنموذجًا مغايرًا في التعاطي مع الأزمات الإقليمية؛ إذ تعتمد خطابًا يستند إلى الرصانة المهنية والتوازن في الطرح وتجنب الاصطفافات الحادة، وأسهم هذا النهج في ترسيخ مقاربة إعلامية تضع الاستقرار الإقليمي والمصلحة العامة في مقدمة الاعتبارات، وتتعامل مع التطورات السياسية والأمنية بقدر عالٍ من المسؤولية، وتبدو هذه التجربة جديرة بالقراءة والتأمل في الفضاء الإعلامي العربي، ذلك أن دور الإعلام لا يقتصر على نقل الأحداث، بل يمتد إلى الإسهام في تشكيل بيئة أكثر اتزانًا تساعد على الحد من التصعيد وتعزيز فرص الاستقرار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك