إيلاف من القاهرة: الصحافة الورقية في الرمق الأخير.
هل تندثر صحافة الموضة؟ تساؤلات ذكية يطرحها الجزء الثاني من فيلم" الشيطان يرتدي برادا" بطولة ميريل ستريب وآن هاثاواي وآندي بلانت وستانلي توتشي، وتمثل الخط الدرامي للفيلم، الذي بدأت عروضه الرسمية الأسبوع الماضي في دور السينما المصرية والعربية، والذي تتولى توزيعه شركة يونايتد موشن بيكتشرز (UMP)، وتصاحبه حملة تسويقية بارعة أعادت الولع بالسينما، وتمثل تظاهرة في حب الأناقة وصيحات الموضة وشخصيات الفيلم الأيقونية.
بدأت في نيويورك، مرورًا بعواصم العالم، وصولًا إلى القاهرة، حيث اشترطت" سين سينما" على حضور العرض الأول ارتداء ملابس مستوحاة من أزياء الفيلم، بلونين أبيض وأسود، ولمسة من اللون الأرجواني، مع ديكورات من أجواء الفيلم، وعلى رأسها أغلفة مجلات الموضة، وبالطبع الحذاء الأحمر الأيقوني.
وحضر العرض الأول النجمة يسرا ودينا الشربيني وهدى المفتي.
نساء أنيقات طموحات، مفعمات بالحيوية.
يبدأ الفيلم بحيوية تستدعي نوستالجيا الجزء الأول قبل 20 عامًا.
الحقيقة أن الكيمياء التي تجمع أبطال الفيلم تجعل منهم جميعًا أبطالًا له، فلا يمكن تخيل القصة دون أحدهم، كلٌّ بتفاصيل شخصيته التي ترسم بانوراما لصراعات عالم الموضة في الكواليس.
ويبدأ الفيلم بتكريم آندي ساكس" آن هاثواي" كصحفية متمرسة تُتوَّج بجائزة أفضل صحافية، وقبيل تلقيها الجائزة تتلقى رسالة تُعلمها بفصلها وزملائها من الصحيفة بسبب تقليص الميزانية، ما يمس كل صحافي عايش مثل هذا الموقف، ويبرز معاناة الصحافيين في عالم يسوده اللايقين.
ميريل ستريب الكاريزمية تظهر بنفس عنفوانها وألقها وتأثيرها؛ فمنذ اللحظة الأولى التي تظهر فيها، وهي تترجل من سيارتها في مشهد لحضور حفل أزياء، تبدو ميريل ستريب وكأنها إحدى آلهة الإغريق، بفستان أحمر قانٍ من قماش التفتا الأنيق.
هذه الشخصية التي يتمحور حولها الفيلم، قالت عنها ستريب إنها استوحتها من أسلوب المديرين الذكور الذين عملت معهم.
" ميراندا" تتسم باللؤم والخبث والقسوة واللامبالاة والأنانية والنرجسية؛ شخصية صعبة الإرضاء، لا تثني على أحد مهما قدم أو تفانى في عمله، ولا تتبع قواعد أقسام الموارد البشرية ولا القوانين، ما يضعها في حالة أزمة.
وأداء ستريب في الفيلم أداء قوي، ورغم ما فيه من لؤم، فإنه مثير للإعجاب، وخلق ملامح مميزة لشخصية ميراندا التي تركت أثرًا استمر لعقدين.
فهي التي تحمل على عاتقها حماية الذوق الراقي وصورة المرأة العصرية، وتجد نفسها أمام تفوق مساعدتيها السابقتين وتوليهما مناصب رفيعة تسمح لهما بالانتقام.
الفيلم مُقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه، كانت من أكثر الكتب مبيعًا عام 2003 للكاتبة لورين ويزبرغر، التي عملت سابقًا مساعدة شخصية لوينتور في مجلة" فوغ"، ويروي قصة كاتبة طموحة لعبت دورها الممثلة آن هاثاواي، تجد وظيفة في إحدى أبرز مجلات الموضة تحت إشراف رئيسة تحرير متسلطة.
وكما حال الجزء الأول من الفيلم، يأخذنا المخرج بإيقاع سريع يلاحق إيقاع صناع الموضة وصراع المعلنين والمجلات، ومونتاج الفيلم غاية في البراعة.
لكن الجزء الممل كان في الخط الفرعي المتمثل في حياة الصحفية آندي ساكس، التي لا تزال دون علاقة عاطفية مستقرة، ولا تزال شخصيتها تفتقر إلى الثقة والثبات، لكنها تقبل التحديات وتتعامل معها بمرونة.
وهنا تكمن نقطة نجاح الفيلم في تحويل ذلك بذكاء إلى علاقة تحالف بين آندي وميراندا بمرور الوقت.
تأتي" آندي ساكس" بشخصية لم تتطور كثيرًا في مواجهة الشخصيات المتعجرفة مثل ميراندا، رغم عملها في الصحافة لسنوات، لكنها لا تزال مضطربة أمام ميراندا، مديرتها السابقة، رغم عودتها القوية بتعيينها من قبل مالك العلامة التجارية إلياس-كلارك.
صيحات الموضة واستعباد الجسدتصريحات آن هاثواي حول رغبتها في عدم الاستعانة بعارضات نحيفات للغاية جاءت متماشية مع سياسات الموضة العالمية، التي لم تعد تستعبد الجسد وتوجهه، بل تتماهى مع التنوع والاختلاف.
المخرج ديفيد فرانكل، إلى جانب كاتبة السيناريو ألين بروش ماكينا، جعلا مجلة" رانواي" مرآة مصغرة لما يحدث في العالم من تقلبات وتغيرات تقودها التكنولوجيا، ومحاولات حثيثة للبقاء والحفاظ على المصداقية.
على أنغام مادونا، يعزف أبطال الفيلم معزوفة أناقة تذكرنا بأهمية الموضة وتصميم الأزياء كصناعة ثقافية ترتكز على الجسد والإبهار، في مواجهة زمن قلّ فيه حب الجمال، وأصبح التميز متاحًا للجميع، وتقلصت القراءة، وأصبح التمرير الإلكتروني بين الصفحات والتطبيقات لا يتوقف.
ذكاء الفيلم في استضافة شخصيات لها شعبية وتضفي واقعية على عالم" رانواي"، مثل ليدي جاجا ودوناتيلا فيرساتشي، جعل للفيلم وقعًا صادقًا لدى الجمهور.
والفكرة التي تم تناولها بشكل عابر، عبر العلاقة العاطفية لآندي ساكس مع المطور العقاري الذي يهوى الحفاظ على التراث المعماري القديم وإلباسه حلة عصرية جديدة، تتماهى بذكاء مع رسائل الفيلم.
الفيلم أعطى قبلة حياة جديدة لدور السينما في أول أيام عروضه، بجانب فيلم" جاكسون"، إلا أن الحالة اللطيفة التي خلقتها أجواء العروض ورسالة الفيلم حول المقاومة والتمسك بالجمال في زمن القبح هي أعظم رسالة في الفيلم، ويتركنا مع تساؤل هام: ماذا لو انهارت صناعة الموضة؟ وماذا لو انهارت صناعة السينما؟ جاء الفيلم ليقول لعصر المنصات الرقمية: بريق السينما لا يزال مبهجًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك