في بعض المكاتب، وخلف الأبواب الموصدة لغرف الاجتماعات الفاخرة، تدور معارك صامتة لا يُسمع فيها صليل سيوف، بل طقطقة آلات حاسبة، هناك حيث يجلس" المدير أ" براتبه الذي يلامس الـ 90 ألفاً، و" المدير ب" براتبه الذي يتجاوز الـ 150 ألفاً، يتباحثون في أمر عظيم: كيف نحقق كفاءة إنفاق؟ كيف ننقذ ميزانية السنة؟ ، والمفارقة المحزنة، واللقطة التي تستوقف القاريء في كتاب كيوساكي، هي أن الحل العبقري الذي يغيب عنه أذهانهم لم يكن تقليص بدلات سفرهم، ولا التنازل عن مكافآتهم السنوية الضخمة، بل كان" فصل الموظف ج" الذي يتقاضى 5 آلاف.
1.
لعبة الأرقام الباردة: بالنسبة لهؤلاء، الموظف الصغير ليس" أباً" يعول أسرة، أو" شاباً" يبني مستقبله، بل هو مجرد" رقم" في خانة المصاريف.
2.
التناقض مع" القواعد": العجيب اليوم، أننا نرى عقوداً وأنظمة تُخالف جوهر" القواعد" التي تهدف للإنتاجية والعدالة، تجد صغار الموظفين هم الحلقة الأضعف، رغم أنهم" تروس" الماكينة الحقيقية التي تنجز العمل اليومي، فكيف يُطلب من الموظف الولاء والإبداع وهو يرى" العمالقة" يتنافسون على الزيادة لأنفسهم وللمقربين منهم، وإزاحته عن الكرسي ليوفروا مبلغاً لا يعادل قيمة" انتداب" واحداً لأحدهم؟3.
درس كيوساكي القاسي: قرأت كتاب المؤلف روبرت كيوساكي ( الأب الغني والأب الفقير ) حيث لم يكن يتنبأ، بل كان يحذر من" فخ الوظيفة" ورسالته هي: • الأمان الوظيفي وهم: مهما ظننت أنك آمن، فأنت مجرد سطر في ميزانية قد يمحوه قلم مدير يبحث عن" بونص" نهاية العام.
• القوة في التملك لا في الراتب: الفرق بين الأب الغني والفقير هو أن الغني يسعى لامتلاك" الأصول" التي لا يستطيع أحد فصله منها، والقصة في الكتاب لا تدور حول قيمة الراتب بقدر ما تدور حول طريقة التفكير في الراتب، وكيفية التحول من موظف يعمل من أجل المال، ولذلك الدول اليوم لا تقدم" سمكة" للموظف، بل تعلمه" فنون الصيد" في بحر من الفرص العالمية، والمملكة العربية السعودية تحديداً وفق القرارات التي نراها اليوم هي جسر عبور لكل طموح يرفض أن يكون مجرد سطر عابر في ميزانية منظمة أو شركة، بل يريد أن يكون شريكاً في قصة نجاح وطن، ومستثمر يعمل المال من أجله ويكون شريكاً في دفع عجلة التنمية والإستثمار في وطنه.
رؤية 2030 (تشريعات تحمي الطموح لا الوظيفة فقط) ما يميز الأنظمة والقرارات الأخيرة أنها لم تأتِ لتنظيم ساعات العمل فحسب، بل جاءت لضمان العدالة والإنتاجية، ولطالما نظرنا لأهداف رؤية السعودية 2030، حيث تستثمر بشكل مكثف في المواطن السعودي من خلال برامج تحقيق الرؤية المختلفة، والتي تركز على تنمية القدرات البشرية، وجودة الحياة، وتوفير فرص العمل والاسكان وبرامج" تمكين" و" توطين" و" تمهير" و" سفير" وتطوير المنظومة والأنظمة القضائية والرقابة المالية والتنفيذ الجديدة، نجدها تصب في خانة واحدة: ( خلق بيئة عمل تحفظ المال العام ومقدرات الدولة والمواطن والموظف، وبناء المستقبل لأبناء الوطن بعد توفيق الله وتدعم تطوره، لتحقيق نمو وازدهار وطني، حيث لم يعد المدير هو صاحب السلطة المطلقة، بل أصبح النظام هو المرجع، وهو نظام يحفز المبدع ويحمي المجتهد.
الانفتاح على الاستثمار والتعلم المستمر: الدولة لم تفتح أبواب التوظيف فقط، بل فتحت" آفاق الاستثمار"، عبر برامج وطنية طموحة، تحول الشباب من باحثين عن عمل إلى ملاك لمشاريع ريادية، وبيئة جاذبة للإستثمار المحلي والأجنبي.
نحن نعيش في عصر ذهبي: (التعلم بلا حدود) عبر منصات وطنية وبرامج ابتعاث نوعية تركز على تخصصات المستقبل (كالذكاء الاصطناعي، الفضاء، والطاقة المتجددة).
(دعم ريادة الأعمال) عبر صناديق التنمية التي تمول الفكرة قبل المشروع، مما جعل" الاستثمار الشخصي" متاحاً لكل شاب يملك الطموح.
لـذا ببساطة، القصة ليست في الـ 5000 ريال، بل في العقلية التي ترى أن التوفير يبدأ من" الأضعف" وينتهي عند" الأقوى"، ما تراه في عملك اليوم هو تذكير حيّ بأن قواعد اللعبة لم تتغير، وأن الذكي هو من يبني جسراً للخروج من هذا السباق قبل أن يقرر أصحاب الـ 150 ألفاً أن جسرك الحالي" مكلف جداً" على الميزانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك