لم تعد أزمة الطاقة في بريطانيا محصورة في فواتير الأسر والوقود، بل بدأت تضغط على أساسات المنازل نفسها.
فالطوب والخرسانة والزجاج والصلب باتت تنقل أثر الطاقة إلى كلفة البناء، في وقت يصبح فيه شراء المنزل أصعب على البريطانيين.
أحدث إشارة جاءت من تايلور ويمبي، إحدى كبريات شركات بناء المنازل في بريطانيا، التي رفعت توقعاتها لتضخم كلفة البناء في 2026 مع بدء ظهور ضغوط الكلفة عبر سلاسل التوريد.
وذكرت رويترز، في 28 إبريل/نيسان 2026، أن سهم الشركة هبط قرب أدنى مستوى في نحو 13 عامًا، في انعكاس لضغط مزدوج من كلفة أعلى وطلب أضعف.
بهذا، تبدو سوق الإسكان عالقة بين كلفة بناء أعلى وطلب أضعف، ما قد يحوّل أزمة الطاقة إلى عامل يبطئ بناء المنازل، لا يرفع كلفتها فقط.
يقول سايمون روبينسون، كبير الاقتصاديين في المعهد الملكي للمساحين القانونيين (RICS)، في تعليق خاص لـ" العربي الجديد"، إن مسألة الجدوى الاقتصادية للبناء تمثل أصلًا مشكلة كبيرة أمام شركات بناء المنازل، لا سيما في لندن وجنوب شرقي إنكلترا.
ويرى أن الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة مرشحة لإضافة مزيد من الضغط، في لحظة وُضعت فيها، خصوصاً في لندن، بعض التدابير المؤقتة لتخفيف الأعباء المالية عن المطورين، عبر تقليل الضغط المرتبط بتسليم الإسكان الميسّر ومدفوعات ضريبة البنية التحتية المجتمعية.
ويوضح روبينسون أن السوق بدأت تشهد بالفعل مؤشرات إلى زيادات وشيكة في أسعار مواد البناء كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الطوب والزجاج والصلب.
وبحسب ما يسمعه من السوق، قد تبدأ هذه الزيادات في حدود 20%، لكن مسارها سيبقى مرتبطًا بمدة الحرب وكيفية انعكاسها على السلع الأساسية.
ويشدّد روبينسون على أن المسألة لا تقتصر على الكلفة، فارتفاع الطاقة يضيف إلى حالة عدم اليقين الاقتصادي الكلي، ويدفع عوائد السندات إلى الارتفاع مع تصاعد مخاوف التضخم، وهو ما ينعكس مباشرة على معدلات الرهن العقاري.
بذلك، لا يتعرض جانب العرض وحده للضغط، بل يتأثر الطلب أيضًا، في وقت كانت فيه السوق قد بدأت تشهد تعافيًا هشًا في بداية العام.
ويقول روبينسون إن شركات بناء المنازل بدأت بالفعل تقليص عمليات شراء الأراضي، ويشير إلى أن المؤشر الاستشرافي لأحجام العمل السكنية لدى المعهد الملكي للمساحين القانونيين عاد إلى المنطقة السلبية، وهو ما يعني أن التوقعات لا تشير إلى تسارع برامج تسليم المساكن هذا العام.
ويضيف أن هذا التطور ليس مفاجئًا في ظل الضغط على الهوامش وحذر المشترين المحتملين من أن صعوبة تثبيت أسعار أعلى في هذه البيئة ستضيف ضغوطًا مالية على القطاع، لا سيما على شركات البناء الصغيرة والمتوسطة.
مواد البناء تنقل أثر الطاقةبدوره، يقول ديفيد كروسثويت، كبير الاقتصاديين في مؤسسة معلومات تكاليف البناء (BCIS)، في تعليق لـ" العربي الجديد"، إن أحدث تحديث تجاري لشركة تايلور ويمبي يسلط الضوء على الوضع الصعب الذي تواجهه شركات بناء المنازل.
فقد أضعف تراجع القدرة على تحمل كلفة الرهن العقاري، إلى جانب النمو المتواضع في أسعار المنازل، الطلب في السوق، بينما تشير أحدث بيانات شهادات أداء الطاقة للمباني الجديدة إلى أن ثلاث مناطق فقط من أصل تسع في إنكلترا سجّلت زيادة سنوية في عدد الشهادات المودعة للمساكن الجديدة خلال الربع الأول من عام 2026.
ورغم الخلفية الاقتصادية الوطنية الصعبة، يرى كروسثويت أن بعض شركات بناء المنازل حافظت على قدر من المرونة، إذ أظهرت بعض التحديثات التجارية استقرارًا في التسليم.
لكنه يؤكد أن ارتفاع الكلفة يضيف ضغطًا جديدًا، وأن الأدلة المتداولة في السوق تشير إلى أن زيادات كلفة سلاسل الإمداد، المدفوعة بتضخم أسعار الطاقة، بدأت تظهر بوضوح أكبر، على الأرجح من خلال إنتاج المواد كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الطوب والخرسانة والسيراميك والزجاج.
وتدعم البيانات الرسمية البريطانية صورة سوق مواد بناء متوترة أصلًا.
فقد أظهرت إحصاءات مواد ومكونات البناء الصادرة عن الحكومة البريطانية في فبراير/شباط 2026 أن تسليمات الطوب تراجعت 6.
7% في ديسمبر/كانون الأول 2025 مقارنة بالشهر نفسه من عام 2024، بينما انخفضت تسليمات الكتل الخرسانية 17.
3%، وارتفع مؤشر أسعار مواد البناء لجميع الأعمال 3.
3% على أساس سنوي.
ويقول كروسثويت إن آفاق بناء المنازل لا تزال مرتبطة بدرجة كبيرة بمدة استمرار الصراع.
فالتكاليف المرتفعة للبناء ستبقى، في الوقت الراهن، مرشحة للاستمرار لعدة أشهر، لكن تهدئة أسرع للتوترات، إلى جانب انخفاض تكاليف الطاقة وتراجع عدم اليقين، يمكن أن تخفف الضغط عن هوامش الشركات وعن الطلب في السوق في الوقت نفسه.
لكن انتقال أسعار الطاقة إلى سوق البناء لا يسير في خط مستقيم، ولا يظهر بالوتيرة نفسها في جميع المواد أو لدى جميع المصنعين.
عن هذا الموضوع، يقول سايمون رولينسون، المدير الأول في شركة أركاديس للاستشارات الهندسية، في تعليق لـ" العربي الجديد"، إن تقدير تايلور ويمبي لاحتمال ارتفاع كلفة بناء المنازل بنسبة منخفضة إلى متوسطة من خانة الآحاد يبدو معقولًا، لكن هذه الزيادة ستظهر في تكاليف البناء فقط، وهي لا تمثل سوى جزء من سعر بيع المنزل النهائي.
ويوضح رولينسون أن بعض الآثار ستظهر سريعًا، خصوصًا كلفة الطاقة المرتبطة بالمعدات والآلات ورسوم النقل والتسليم، فضلًا عن منتجات مثل عوازل" PIR" الحساسة لتكاليف منتجات التكرير، التي كانت تعاني أصلًا من نقص في الإمدادات.
لكنه يلفت إلى أن انتقال الكلفة ليس شاملًا، إذ لا يمرر جميع المصنعين زيادات الأسعار بسبب المنافسة، كما أن بعض مصنعي الطوب تحوّطوا مسبقًا ضد ارتفاع الطاقة وأبقوا الأسعار الحالية للحفاظ على المبيعات.
ويضيف أن ارتفاع كلفة التمويل، بما بين 1.
6 و2% منذ بداية الحرب، يبدو أكثر تأثيرًا في قدرة الأسر على شراء المنازل من ارتفاع كلفة البناء نفسه، مع احتمال انتقال أكبر للأسعار إلى قطاع البناء على المدى المتوسط.
ظهر الترابط بين الحرب والطاقة والسكن أيضًا في تحديث شركة برسيمون، إحدى كبرى شركات بناء المنازل في بريطانيا.
فقد ذكرت رويترز، في 30 إبريل/نيسان 2026، أن الشركة حذرت من احتمال ارتفاع تكاليف سلاسل الإمداد خلال النصف الثاني من 2026 وإلى 2027 بفعل أسعار الطاقة، رغم إبقائها على توقعات تسليم المنازل هذا العام.
كما أشارت إلى بوادر تضخم في سلاسل الإمداد، مقابل تراجع طفيف في استفسارات المشترين مع ارتفاع معدلات الرهن العقاري.
وفي ردّ على سؤال لـ" العربي الجديد"، قال متحدث باسم وزارة الأعمال والتجارة البريطانية إن الوزارة تدرك أثر ارتفاع تكاليف البناء في قطاع بناء المنازل، لذلك تراقب أوضاع السوق باستمرار لدعم شركات البناء.
وأضاف أن الصناعات ستشهد خفضًا في تكاليف الكهرباء يصل إلى 420 مليون جنيه إسترليني سنويًا عبر برنامج" داعم الصناعة البريطانية"، فيما سيخفض برنامج القدرة التنافسية الصناعية فواتير الكهرباء بنسبة تصل إلى 25% لأكثر من 10 آلاف شركة.
وأقرت الوزارة، في معلومات خلفية مرفقة، بأن ارتفاع تكاليف مواد البناء أثّر في القطاع، مشيرة إلى أن تكاليف المواد زادت 60% منذ عام 2015.
تضع هذه التطورات هدف الحكومة بناء 1.
5 مليون منزل خلال هذا البرلمان أمام اختبار أصعب: فإصلاحات التخطيط وحدها قد لا تكفي إذا ظلت الطاقة والتمويل والمواد والطلب الضعيف تضغط على جدوى المشروعات.
الخطر أن تتحول أزمة الطاقة إلى فرامل خفية داخل سوق الإسكان، عبر شراء أراضٍ أقل وتأجيل مواقع وتقليص الاستثمار في المناطق الأعلى كلفة.
وبهذا لا تعود الأزمة مجرد ارتفاع في مواد البناء، بل ضغطًا مزدوجًا: بيت أغلى قبل أن يُبنى ومشترٍ أقل قدرة على شرائه بعد طرحه في السوق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك