في مشهدٍ يختصر حكاية كفاحٍ نادر، ودّعت الساحة العلمية والدعوية في المملكة الشيخ ناصر أحمد جبران قحل، أحد أبرز العلماء والمقرئين والمعلمين في منطقة جازان صباح اليوم، الذي جسّد نموذجًا فريدًا في الإرادة والعزيمة رغم فقدانه للبصر منذ ولادته.
وُلد الشيخ ناصر في شهر ذي الحجة عام 1361هـ بقرية “شهرين” التابعة لمحافظة الحرث، نشأ في أسرة ميسورة، وبدأ حياته مبكرًا في رعي الأغنام والعمل الزراعي، قبل أن تقوده همته العالية إلى طريق العلم في سن السادسة، حين التحق بمسجد قريته وبدأ حفظ القرآن الكريم.
وعند بلوغه السابعة، انتقل إلى مدرسة الشيخ القرعاوي في قرية مجاورة، حيث أتم حفظ القرآن الكريم وتعلم القراءة والكتابة وأصول العقيدة والفقه، مما شكل ملامح شخصيته العلمية.
على الرغم من معارضة والده في البداية، التحق الشيخ في سن الثامنة عشرة بالمعهد العلمي في صامطة، بعد وساطات من أهل الخير، ليكمل مسيرته التعليمية حتى تخرجه عام 1390هـ، قبل أن ينتقل إلى الرياض ويلتحق بكلية الشريعة ويتخرج منها عام 1394هـ.
خلال فترة دراسته، كان الشيخ ملازمًا لمجالس كبار العلماء في الرياض، من أبرزهم الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله، والشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، مما أثرى تكوينه العلمي والدعوي.
بعد تخرجه، عمل الشيخ ناصر في ميدان التعليم، متنقلاً بين الأحساء وجازان وأبو عريش، حيث استقر فيها حتى تقاعده عام 1422هـ، وواصل خلالها رسالته العلمية والدعوية، من خلال التدريس والإلقاء والمحاضرات.
عُرف الشيخ الراحل بتواضعه الشديد وزهده، وحرصه الدائم على تعليم القرآن الكريم وعلومه، حيث كان يُقيم دروسًا منتظمة بعد صلاة الفجر والمغرب في التجويد والتلاوة، إضافة إلى محاضراته في القرى والمحافظات.
يُعد الشيخ – رحمه الله – من أبرز طلاب الشيخ عبدالله القرعاوي ومن الأسماء المعروفة في مجال الدعوة وتعليم العلم الشرعي في منطقة جازان، حيث تخرّج على يديه عدد من طلاب العلم داخل المملكة وخارجها.
كان الشيخ قد حظي بتكريم من الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – تقديرًا لجهوده في خدمة كتاب الله، إذ عُدّ من أوائل من حفظوا القرآن الكريم، ويُعتبر من الشخصيات البارزة في هذا المجال.
وبرحيل الشيخ ناصر قحل، تفقد الساحة العلمية أحد رموزها الذين جمعوا بين العلم والعمل والصبر، ليبقى اسمه شاهدًا على قصة نجاح استثنائية بدأت من قرية صغيرة وانتهت بإرث علمي ودعوي كبير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك