يتعرض لبنان لضغوط سياسية عدّة متصلة بإمكانية عقد لقاء بين الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وذلك على خطّين، الأول، أميركي، يدفع باتجاه حصول الاجتماع في واشنطن بوصفه خطوة ضرورية لحلّ الصراع القائم، وفتح مسار التفاوض المباشر، والثاني، عربي، ينصح بتأجيل انعقاده، خاصة لانعكاساته السلبية على الداخل اللبناني، في ظلّ الانقسام الكبير والاحتقان الحادّ اجتماعياً وطائفياً وسياسياً.
ويتزامن ذلك مع ضغط إسرائيلي بالنار جنوباً وتهديد متواصل بتجدّد الحرب، والجدل حول تداعيات عدم حصول الاجتماع على مصير الهدنة التي مُدّدت في 23 إبريل/نيسان الماضي لثلاثة أسابيع، ومنتظَر أن يُبحَث بها في المحادثات الثالثة المرتقبة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، والتي من المتوقع أن تكون حاسمة على صعيد ملف المفاوضات المباشرة، علماً أن موعدها لم يُحدّد بعد رسمياً.
وعلى الرغم من تجديد عون تأكيده أن التوقيت غير مناسب الآن للقاء نتنياهو الملاحق دولياً بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وربطه ذلك بالتوصّل إلى اتفاق أمني، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية قبل طرح مسألة اللقاء، إلّا أن الولايات المتحدة لا تزال تدفع نحو حصول الاجتماع، تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب، وتُرجم ذلك، بالرسائل التي يحملها سفيرها لدى بيروت، اللبناني الأصل، ميشال عيسى، إلى المسؤولين اللبنانيين، ضمنها رسالة أمس الاثنين، أكد فيها أهمية حصول اللقاء لبدء المفاوضات، خاصة وأن واشنطن تعتبره فرصة للبنان للحصول على ضمانات تتعلق بالسيادة الكاملة وسلامة الأراضي وأمن الحدود إضافة إلى دعم إنساني وإعادة الإعمار واستعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها.
واستغرب عيسى بعد لقائه أمس الاثنين البطريرك الماروني بشارة الراعي رفض لبنان حصول اللقاء، متسائلاً" هل نتنياهو بعبع؟ "، معتبراً أنّ انعقاده لا يعني تنازلاً، ولا خسارة، بل على العكس، على عون أن يعرض طلباته وقراراته ويقولها لترامب أمام نتنياهو.
وأضاف أن الرئيس الأميركي سيكون شاهداً على جواب نتنياهو، ويعود عون بعدها إلى بيروت وتبدأ المفاوضات.
في الإطار، علم" العربي الجديد" من مصادر رسمية لبنانية أن" زيارة عون إلى واشنطن لم تُحسَم بعد، رغم أن هناك ترتيبات لعقدها بعد أسبوع أو عشرة أيام، وسط تنبيهات داخلية يتلقاها رئيس الجمهورية من احتمال أن يفرض ترامب على عون اللقاء مع نتنياهو بدعوته أيضاً للانضمام إليه، ووضعه بالتالي تحت أمر واقع، كما حاول أن يفعل في الاتصال الهاتفي، ورفض عندها عون حصوله، ما من شأنه أن يعقّد الوضع الداخلي في لبنان، في ظلّ التوترات الحاصلة خاصة مع رئيس البرلمان نبيه بري.
وفي الوقت نفسه، قالت المصادر لـ" العربي الجديد"، أن" عون يجد أن الزيارة ضرورية ومهمة جداً بتوقيتها للضغط باتجاه وقف كامل لإطلاق النار، كما لا يريد أن يوتر العلاقات مع الإدارة الأميركية، من هنا، فإن الأجواء لا تزال رمادية".
وذكرت المصادر أنّ" عون متمسّك بضرورة الحفاظ على الاستقرار الداخلي والعمل على إبعاد أي سيناريوهات من شأنها أن تؤثر على الأمن والسلم الأهلي، لكن في الوقت ذاته، هو ماضٍ بمسار التفاوض مع إسرائيل ولن يتراجع عنه"، مشددة على أنّ" هناك تباينات مع بري واختلاف بوجهات النظر حول بعض المسائل، لكن هناك التقاء على ثوابت لبنان والتي إن ذهب عون إلى واشنطن سيحملها معه، وهي ضرورة وقف الاعتداءات بشكل كامل وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة وإطلاق سراح الأسرى، كمسار أساسي للتفاوض".
وأشارت المصادر أيضاً إلى أن" الأميركيين لم يهددوا لبنان بإنهاء الهدنة وتجدّد الحرب في حال عدم حصول اللقاء مع نتنياهو، ولكن هناك تشديد أميركي مستمر على أهمية الاجتماع في هذه المرحلة بالذات، ودوره في الحلّ"، لافتة إلى أن" عون كرّر معارضته له بالتوقيت الراهن، وأكد أولوية وقف إطلاق النار بشكل كامل".
وذكرت المصادر أن" اتصالات لبنان مع الدول الصديقة سواء أوروبية أو عربية مستمرّة من أجل المساعدة على تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار والضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها وانسحابها من الأراضي التي تحتلها جنوباً".
وقالت" هناك أفكار وطروحات تُعرض للحل، منها مصرية، ونأمل أن تكون مؤثرة، ولبنان إيجابي بشأنها".
ولفتت المصادر إلى أن" لا مبادرة مصرية، لكن مصر تؤكد دائماً وقوفها إلى جانب لبنان وتعرض باستمرار المساعدة، وتبذل جهوداً في هذا المجال، وهي سبق أن قدّمت طروحات لا تزال تتمسّك بها على صعيد ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية وبدء الانسحاب من الأراضي اللبنانية وإن بشكل تدريجي، ووقف حزب الله كذلك عملياته العسكرية، واستكمال الدولة اللبنانية ما بدأته على صعيد حصر السلاح، مع تسريع وتيرته، وإطلاق مسار إعادة الإعمار، ويبدأ بذلك المسار التفاوضي مع إسرائيل"، مشيرة إلى أن" هناك دول عدة عرضت استضافة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وهذه كما التوقيت، لم يحسم بعد، فالمهم اليوم تثبيت وقف إطلاق النار".
وبرزت أمس الاثنين، الزيارة التي قام بها السفير الأميركي ميشال عيسى إلى عين التينة في بيروت للقاء رئيس البرلمان نبيه بري، في ظلّ تفضيل أميركي لأن تكون العلاقة بين بري وعون جيدة، إذ تولي الولايات المتحدة أهمية لحصول المفاوضات بموافقة مكوّن لبناني أساسي يمثل الطائفة الشيعية.
محاولات مستمرّة لعقد لقاء ثلاثيوقال مصدر مقرّب من بري لـ" العربي الجديد"، إن" عيسى أكد أهمية التوافق اللبناني الداخلي في هذه المرحلة، وتحدث كذلك عن أهمية اللقاء بين عون ونتنياهو، لكن بري كان واضحاً برفض التفاوض المباشر وتمسّكه بالتفاوض غير المباشر ودور لجنة وقف العمليات العدائية (ميكانيزم)، وبأولوية وقف إسرائيل اعتداءاتها قبل بحث أي شيء".
ولفت المصدر إلى أن" لا قطيعة بين عون وبري والتواصل قائم، لكن هناك تباينات يُعمَل على حلّها، واللقاء الثلاثي المرتقب الذي يشمل أيضاً رئيس الوزراء نواف سلام لم يُلغَ، فكرته لا تزال واردة، وهناك احتمال لعقده، فبرّي كان وسيبقى متمسّكاً بضرورة التوافق والتفاهم الداخلي، فكيف في وضع كهذا يمرّ به لبنان؟ ".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك