في هذه المساحة تحديدًا تقف القابلات في موقع حاسم.
فالقابلة ليست مجرد مساعدة في لحظة الولادة، وإنما جزء من رعاية تمتد من الحمل إلى ما بعد الولادة، وتشمل صحة الأم والمولود، ودعم الرضاعة، والتثقيف، وتنظيم الأسرة، والتعامل الأولي مع كثير من علامات الخطر.
لذلك اختار الاتحاد الدولي للقابلات شعار اليوم الدولي للقابلات لعام 2026: " مليون قابلة إضافية".
فالحديث هنا لا يدور حول تحسين رمزي في المهنة، وإنما حول نقص عالمي يقارب مليون قابلة، يترك ملايين النساء من دون رعاية مناسبة في الوقت المناسب.
تقدم القابلات خدمات أساسية في الصحة الجنسية والإنجابية، وصحة الأم والوليد والمراهقين، قبل الولادة وخلالها وبعدها.
ويشير الاتحاد الدولي للقابلات إلى أن الأزمة لا تتعلق بالعدد فقط، إذ إن كثيرًا من القابلات الموجودات لا يُمكَّنّ من العمل بكامل نطاق مهنتهن بسبب نقص الدعم أو القيود أو ظروف العمل المرهقة.
وهذا النقص لا يظهر دائمًا في غرفة الولادة وحدها.
يبدأ أثره في المتابعة الضعيفة للحمل، وفي تأخر اكتشاف ارتفاع الضغط أو السكري أو النزف أو سوء تغذية الأم، ثم يشتد في اللحظات التي تحتاج فيها الحامل إلى قرار سريع أو إحالة عاجلة أو رعاية لصيقة.
وحين تكون القابلات قليلات أو مرهقات أو يعملن في بيئات بلا تجهيزات كافية، تصبح الولادة أكثر هشاشة.
لا لأن النساء لا يحتجن إلى أطباء، إنما لأن النظام الصحي يحتاج إلى شبكة رعاية كاملة، تبدأ من القرب والمتابعة والثقة.
يحذر الاتحاد الدولي للقابلات من أن نقص القابلات قد يصبح أزمة تغذي نفسها بنفسها: فالقابلات اللواتي يعملن تحت ضغط شديد ومن دون دعم كافٍ يصبحن أكثر عرضة لترك المهنة، ما يزيد العبء على من يبقين ويعمّق الفجوة.
وهذه الحلقة ليست تقنية.
إنها تعني مواعيد أقل، انتظارًا أطول، متابعة أضعف، وولادات أكثر خطورة في المناطق الفقيرة أو البعيدة أو المتضررة من النزاعات.
كما تعني أن الحمل، الذي يفترض أن يُدار بمنطق الرعاية المستمرة، قد يتحول إلى سلسلة زيارات متقطعة لا تكفي لبناء الأمان.
ومن هنا، تصبح القابلة عنصرًا في العدالة الصحية.
فوجودها القريب من النساء، خصوصًا في المجتمعات الريفية أو الهشة أو التي تعاني نقصًا في الأطباء والمستشفيات، يمكن أن يختصر المسافة بين الخطر والاستجابة.
ليست الدعوة إلى مليون قابلة إضافية مطلبًا مهنيًا معزولًا.
فالشراكة من أجل صحة الأم والوليد والطفل، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، تشير إلى أن القابلات يمكنهن تقديم نحو 90% من خدمات الصحة الجنسية والإنجابية وصحة الأم والوليد والمراهقين الأساسية.
كما تفيد بأن إتاحة الرعاية التي تقودها القابلات عالميًا يمكن أن تمنع ثلثي وفيات الأمهات والمواليد وحالات الإملاص، وأن زيادات متواضعة في التغطية قد تنقذ أكثر من مليون حياة سنويًا.
هذه الأرقام تجعل الاستثمار في القابلات من أكثر التدخلات الصحية وضوحًا من حيث الأثر.
فالأمر لا يقتصر على تدريب كوادر جديدة، وإنما يشمل تحسين الأجور، وتوفير بيئات عمل آمنة، وتأمين المعدات، ودمج القابلات في التخطيط الصحي، ومنحهن صلاحيات واضحة، وحماية المهنة من الاستنزاف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك