في الوقت الذي اعتادت فيه شركات التكنولوجيا الناشئة حول العالم النظر إلى وادي السيليكون و" وول ستريت" باعتبارهما النموذج الأوضح لكيفية صناعة الثروة والابتكار معاً، يبدو أن الصين بدأت تعيد هندسة هذا النموذج بطريقتها الخاصة، عبر هونغ كونغ.
فبحسب نشرة" The China Connection" الصادرة عن شبكة" CNBC"، تكشف محادثات جديدة مع مستثمرين ومستشارين في قطاع رأس المال الجريء أن بكين التقطت الدرس الأهم من التجربة الأميركية: التكنولوجيا لا تصعد وحدها، بل تحتاج إلى سوق مالية قادرة على تمويلها، وتوفير مخارج مربحة للمستثمرين الأوائل، وإعادة تدوير رأس المال داخل منظومة الابتكار.
ورغم أن الطريق لا يخلو من المخاطر التنظيمية وآلام النمو، فإن ما يحدث حالياً قد يضع الصين في موقع أكثر قدرة على منافسة الولايات المتحدة في سباق التكنولوجيا ورأس المال.
هونغ كونغ في قلب الطفرة الجديدةإذا أردت تتبع الأموال التي تقف خلف موجة التكنولوجيا الصينية الجديدة، فإن الطريق يقودك غالباً إلى هونغ كونغ، البورصة الصينية الأكثر انفتاحاً على المستثمرين العالميين، والتي استعادت زخمها بقوة خلال العام الماضي.
فالشركات جمعت أموالاً عبر الطروحات العامة في سوق هونغ كونغ أكثر من أي بورصة أخرى، فيما تصطف حالياً أكثر من 400 شركة بانتظار الإدراج.
وتشير تقديرات أخرى إلى أن العدد الفعلي قد يكون أعلى بكثير، مدفوعاً بقواعد الإدراج السري الجديدة نسبياً في البورصة.
قال الشريك في شركة استشارات الطروحات العامة" King and Wood"، غاري لوك، ومقره هونغ كونغ، إن موجة الطروحات الحالية لن تستمر عاماً أو عامين فقط، مضيفاً على هامش منتدى لرأس المال الجريء في مدينة هانغتشو الشهر الماضي أن النشاط الحالي في أسواق المال أكبر بكثير جداً من أي شيء شهدته المنطقة خلال آخر 35 عاماً.
وبحسب لوك، فإن الأموال الأجنبية بدأت تتدفق إلى بنوك هونغ كونغ منذ اندلاع الحرب في إيران قبل شهرين، استعداداً للاستثمار في الصين.
أكثر من 40 إدراجاً منذ بداية العامحتى الآن هذا العام، أدرجت أكثر من 40 شركة أسهمها في هونغ كونغ، مع تخفيف بعض القواعد التنظيمية، وفي وقت تتزايد فيه الرقابة الأميركية على الاستثمارات الموجهة إلى قطاعات صينية حساسة، مثل تكنولوجيا الدفاع.
الأهم من ذلك أن عودة النشاط القوي إلى سوق هونغ كونغ ساعدت في تغيير الانطباع السابق بأنها لا توفر أحجام تداول أو تقييمات للأسهم بالمستوى نفسه المتاح في الأسواق الأميركية.
وقال الشريك الرئيسي في مكتب" KPMG China" بمدينة هانغتشو، جين يانغ، إن انتعاش نشاط رأس المال في هونغ كونغ أسهم في تقليص هذه الفجوة الإدراكية لدى المستثمرين.
قدرت محللة" غولدمان ساكس"، سي فو، في تقرير صدر الشهر الماضي، أن نحو 15% فقط من الشركات المنتظرة في مسار الإدراج في هونغ كونغ قد تواجه تدقيقاً تنظيمياً من الصين.
وتتوقع أن تجمع الطروحات في هونغ كونغ نحو 60 مليار دولار هذا العام، أي ما يقرب من ضعف ال36 مليار دولار التي جمعت في عام 2025.
تراجع أفضلية المستثمر الأجنبيلكن هذا التحول لا يعني فقط عودة الطروحات العامة، بل يعكس أيضاً تغيراً أعمق في موازين القوة داخل سوق تمويل الشركات الناشئة في الصين.
فبحسب غاري لوك، فإن القواعد التنظيمية الجديدة بدأت تضعف الميزة التنافسية التي كان يتمتع بها المستثمرون الدوليون في اقتناص الصفقات المبكرة داخل الصين، إذ بات المؤسسون أكثر ميلاً للحصول على تمويل محلي.
وقال لوك: " من يحتاج إلى سوفت بنك؟ "، إذا كانت الشركات المحلية قادرة على اتخاذ القرار بسرعة أكبر وتقديم تقييمات أفضل.
من جهته، قال شين تشينهوا، الشريك المؤسس والمدير الإداري لشركة رأس المال الجريء الصينية" Puhua Capital"، إن شركته لا تتوقع تغيراً كبيراً في حجم الاستثمار الأجنبي هذا العام، لكنه رجح استمرار الزخم القوي للطروحات في هونغ كونغ.
وأشار إلى أن نحو 60% من إجمالي استثمارات" Puhua Capital" تتركز في ما يعرف ب" التكنولوجيا الصلبة"، مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والفضاء" التجاري".
منظومة جديدة لا تشبه النسخة الأميركية تماماًالموجة الجديدة من الطروحات الصينية في هونغ كونغ ليست سوى خطوة أخرى في طريق الصين لبناء منظومة تكنولوجية محلية أكثر نضجاً.
فهذه الإدراجات تمنح المستثمرين الأوائل فرصة لتحقيق عوائد كبيرة، ما يشجع مزيداً من الأموال على تمويل الشركات الناشئة الصينية الطامحة للتحول إلى لاعبين عالميين.
وهناك مؤشرات متزايدة على أن الصين تلحق بوادي السيليكون و" وول ستريت" في جوانب أخرى أيضاً، خصوصاً مع صعود جيل أصغر من رواد الأعمال والمستثمرين.
ففي السابق، كان رواد الأعمال الصينيون يفضلون الاحتفاظ بالسيطرة على شركاتهم لأطول فترة ممكنة، ما جعل الطروحات العامة التي يحتفظ فيها المؤسسون بحصص أغلبية الخيار الأكثر شيوعاً.
لكن الصورة بدأت تتغير الآن.
وقال تشو كايبينغ، رئيس جمعية رأس المال الجريء في هانغتشو، إن المؤسسين، وبعضهم أنشأ أكثر من شركة ناشئة، أصبحوا أكثر انفتاحاً على بيع شركاتهم أو الدخول في صفقات اندماج واستحواذ.
وهذا يخلق مسارات أوسع للمستثمرين لتحقيق العوائد، ويساعد على توسيع حجم الصناعة.
من الذكاء الاصطناعي الصناعي إلى الرؤية المستقبليةالتغير لا يقتصر على التمويل فقط، بل يمتد إلى طبيعة التكنولوجيا نفسها.
فالشركات الصينية ركزت تاريخياً على بناء تطبيقات ذكاء اصطناعي موجهة للصناعة وتحقق عوائد تجارية سريعة، في حين انشغلت نظيراتها الأميركية أكثر بالسعي نحو بناء ذكاء اصطناعي عام فائق القدرات.
لكن الشريكة ونائبة الرئيس في" S&R Venture Capital"، تشي روان، قالت إن المستثمرين في الصين باتوا يبحثون بشكل متزايد عن رواد أعمال يمتلكون رؤية مستقبلية واضحة، ويفهمون موقع تقنياتهم داخل هذا المستقبل.
وهذا المزيج من التكنولوجيا القادرة على المنافسة عالمياً، ونظام التمويل الآخذ في التوسع، يعزز جاذبية الصين أمام المستثمرين الأجانب.
وقد جذب منتدى رأس المال الجريء في هانغتشو ضيوفاً من دول بعيدة مثل الهند وإسبانيا وبلجيكا، بحسب تشو.
وضم الوفد الهندي وحده أكثر من 20 من قادة الأعمال، من بينهم ممثلون عن" Dharma Capital" ومجموعة" تاتا" الصناعية، وفقاً لفيجاي كيه ثاداني، نائب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة" NIIT"، الذي شارك في الرحلة التي استمرت أسبوعاً إلى الصين.
وقال ثاداني إن الشركات الهندية تستكشف فرص الاستثمار والشراكة مع شركات الروبوتات الصينية في قطاع التصنيع.
رأس المال العالمي لم يعد حكراً على أميركاوسط حالة عدم اليقين التنظيمي عبر الحدود، تأمل تشي روان أن تتمكن شركتها من التوسع عبر ميزة فريدة، إذ تقول إن شركتها هي الصندوق الوحيد في هانغتشو الذي يمتلك ترخيصاً يسمح له بقبول رأس مال أجنبي مع الاستثمار مباشرة باليوان الصيني.
كل ذلك يعكس حقيقة أوسع: المال العالمي والابتكار لم يعودا حكراً على الولايات المتحدة.
ومع ذلك، فإن الصين، حتى وهي تجمع عناصر منظومة رأس المال الجريء المحلية، لا تبني نسخة مطابقة من النموذج الأميركي.
فالدولة والسياسة العامة تظلان حاضرتين بقوة في تحديد المسارات.
قال غاري لوك إن المفاجآت التنظيمية تبقى الخطر الرئيسي، مضيفاً: " الكثير مما نقوم به في هذا الجزء من العالم يعتمد على السياسات".
وبين الطروحات المتسارعة في هونغ كونغ، وصعود رأس المال المحلي، وتنامي شهية المستثمرين للتكنولوجيا الصلبة، تبدو الصين وكأنها لا تحاول فقط اللحاق بوادي السيليكون، بل تبني نموذجاً بديلاً يمزج بين التمويل، والسياسة الصناعية، والطموح التكنولوجي العالمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك