في الوجدان تبقى هناك زكريات راسخة لا تمحوها الأيام، ولا تطفئها مطبات الحياة، فيها ما تجنب نفسك حتى استعادتها.
وأخرى تشكل طريقة تفكيرك وترسم حياتك كما لو كانت مقدمة رواية طويلة حائزة على جائزة نوبل.
مع إعلان وفاة النجم الكبير هانى شاكر حلت قصتى منذ الطفولة وحتى اكتمال الوعي رواية بدأت مع سماع صوته على شاشات التليفزيون أو في إذاعات الأغاني التي عاش منها القليل واندثر فيها الكثير.
هاني شاكر ليس فنانًا قدم أغاني بصوت ملائكي يصعب على الموهوبين حتى الوصول إلى مثل هذا التمكن الذي كان يحيط أحبال صوته، بل ضع هاني شاكر لنفسه صناعة مكتملة الأركان لا تخفى على أحد، تجمع بين موهبة صوته وانتقائه لصفوت الكتاب والملحنين، وصولًا بالشركات التي تعاقد معها لصناعة ألبوماته، بنجاح مستمر ومتواصل بدون انقطاع للشغف الذي يقتل البعض أحيانًا.
حالة هاني شاكر الغنائية متفردة معي ومع جيل الثمانينيات بالكامل حتى أنها تمثل زكريات الطفولة تلك التي تقف فيها عاجزًا عن حجز" شريط كاسيت" يترقب طرحه في الأسواق قبلها بأسابيع، تعجز فيها عن شراء" بوستر" رسمي للألبوم لتضع حدًا ليومك قبل الخلود للنوم.
تعلقنا به مثلما تعلق هو بأغانيه فلم نترك يومًا ألبومًا إلا وسمعناه وحفظنا أغانيه عن قلب، فمحبي هاني شاكر يعلمون جيدًا مدى ثراء تجربته، وقوة موهبته التي تجعل من الصعب في الغناء لينًا.
لك أن تتخيل أن هاني شاكر وحده من بين أبناء جيله ظل صامدًا أمام جيل التسعينيات منافسًا شرسًا تحصد أغنيه نجاحًا باهرًا على المستوى الجماهيري حتى وأن اسمه يأتي دائمًا في المقدمة من نجوم الغناء المصريين في العقود الخمسة الماضية، ورغم كل هذا لم يأتي يومًا طرفًا في شائعة أو أزمة بل ظل محبًا للجميع قلبه ينض فنًا ولا يعرف سواه لذلك تجد كل ما قدمه عبارة عن مشروع فني راقٍ احترافي شديد الخصوصية، يطوع به كل ما هو راقي الى أغانى ستظل مضاءة بحروف من ماس.
رحم الله الفنان هاني شاكر الذي رحل بجسده وسيظل بفنه علمًا يدرس لسنوات عن مطرب صاحب مدرسة انطلقت من موهبة نادرة حتى اكتملت الصورة بكل تفاصيلها.
وداعًا أستاذ هاني شاكر حتى نلقتى في عالم آخر.
عالم تسمو فيه بروحك إلى جنات الخلد، فلك مني السلام وعليك الرحمة والغفران ونحتسبك من المحظوظين بمد يد رسول الله بكوب من ماء خردل يروي ظمأك، وأن يصبر عائلتك الصغيرة قبل الكبيرة، وجمهورك الذي سيقف مع تلك الأيام ويرويها لأجيال أخرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك