«أحلام.
ساعات نيويورك.
ببغاء سيناء».
عناوين تحولت من فكرة خيالية إلى لوحات ملهمة على يد الفنان التشكيلي المصري أمير وهيب، الذي لم يقطع حبل الود مع وطنه، على الرغم من هجرته إلى أميركا، بل ظل يستحضرها في لوحاته إلى جوار رموز الفن العالمي وأهدى أخيراً إحداها إلى الجامعة الأميركية بالقاهرة.
في حواره مع جريدة «الوسط»، يكشف وهيب عن معادلة النجاح التي تتلخص في «موهبة صادقة وفكرة أصلية»، وينتقد غياب الفن التشكيلي عن الإعلام العربي على الرغم من عراقة تاريخه، ويتحدث عن التحديات التي واجهها كفنان مصري في الداخل قبل أن يصبح اسمه ضمن قوائم دار «سوثبيز» للمزادات العالمية، ويرى أن «الموهبة كالحصاد.
والفنان الناجح يعرف متى يتوقف».
■ لنبدأ من السؤال الذي يؤرق كل شاب يملك موهبة وطموح: لماذا ينجح فنان ويفشل آخر؟الفن ببساطة «حصاد» ثمرة لفكرة وتقنية.
الثمرة لا تختار شكلها، لكن المتذوق هو من يفضل التفاح أو المانجو.
النجاح يعتمد على ثلاثة أشياء: فكرة أصلية وتقنية متميزة نابعة من موهبة حقيقية وصادقة.
ثانياً، لا بد من وجود راعٍ لهذه الموهبة.
وثالثاً، على الفنان أن يدرك أن طريق الفن يشبه طريقاً غير ممهد لصعود قمة جبل؛ لا مركبات فيه ولا «واسطة»، يُسلك سيراً على الأقدام ومفرداً.
إنه طريق طويل وشاق يتطلب صبراً ولياقة وقوة أعصاب.
■ وكيف يعرف الفنان أنه يسلك الطريق الصحيح؟بعد أن «يحصد» ثمرة أعماله، فإن رد فعل الجمهور والنقاد هو الدليل، إلى جانب إحساسه الداخلي.
هناك محطة أولى في الطريق: إذا لم يجد أي إشارة إيجابية بعد ثلاث سنوات كحد أقصى، فعليه أن يتوقف.
الاستمرار في هذه الحالة هو إهدار لطاقته ووقته وأمواله.
■ حدثنا أكثر عن الموهبة ذاتها؟الموهبة نوعان: الأول يظهر تلقائياً منذ الطفولة، كما حدث مع موتسارت أو الطفلة فيروز.
أما النوع الثاني فيتكون مع الزمن من المهارات المكتسبة والشغف، ويُكتشف أحياناً في سن متأخرة في أي مجال، الطب أو الهندسة أو الصحافة.
لكن في النهاية، الموهبة وحدها لا تكفي، بل لا بد من التمرين والدراسة.
«الإعلام يُفشل التشكيليين.
وشعب مصر ليس جاهلاً»■ على الرغم من عراقة الحركة التشكيلية المصرية بأسماء مثل محسن أبوالعزم وراغب عياد وبهجوري وإيفلين عشم الله، إلا أن الجماهيرية لم تصل للمستوى المطلوب.
لماذا؟الإعلام له دور أساسي في هذا الإخفاق.
بعد كل هذه القنوات الفضائية، لم نر قناة متخصصة في الفن التشكيلي، أو حتى برنامجاً ثابتاً أو صفحة أسبوعية في جريدة أو مجلة.
كنت أتوقع بعد ظهور هذه القنوات أن يكون هناك تنويه دائم، كما يحدث مع الأفلام والأغاني.
شعب مصر ليس جاهلاً إلى هذه الدرجة لتعيد عليه كل يوم نفس الدراما المستهلكة، وتمنع عنه أعمال النحت والتلوين.
أذكر أن التلفزيون المصري في الثمانينيات والتسعينيات كان يهتم بهذا الفن ويستضيف الفنانين ويغطي المعارض، لكن هذا التراجع اليوم مؤسف.
■ إذن، هل ترى أن مصر قادرة على المنافسة العالمية بالفن والثقافة والفكر؟الدولة العظمى هي دولة صناعية، والصناعة تبدأ بـ«الرسم».
كل ما هو حولك من سلاح وأجهزة يُرسم أولاً، حتى الخطة الحربية وخطة كرة القدم ترسم.
حضارة مصر الفرعونية قائمة على الرسم والنحت والتلوين.
مصر قادرة على العودة إلى لتصدر العالم، بشرط أن تجعل المواد الثقفاية والفنية ومنها مادة الرسم أساسية، للارتقاء بالذوق والأخلاق وتقدم الأمم.
■ برأيك، هل أفاد الذكاء الصناعي الفن وخاصة الرسم؟الذكاء الصناعي جسم مكعب له عديد الجوانب.
جانب إيجابي مفيد جداً في البحث والتطوير، ونتائجه صحيحة بنسبة كبيرة.
لكن الجانب السلبي هو استغلاله في التزوير والانتحال، وهنا يظهر دور المراقبة وذكاء الفرد.
■ كيف تقيم واقع الحركة الإبداعية المصرية؟المشكلة أن التربية والتعليم في مصر «تلقينية» بشكل كبير، وكأننا عدنا إلى عهد «الكتاتيب».
هذا يجعل عملية الإبداع مستحيلة، ومتابعة العلم مستحيلة في نفس الوقت الذي تتسابق فيه الدول المتقدمة لمعرفة الأسرار العلمية.
- مودة زِقْلِم.
ذاكرة ترسم وريشة تبحث عن آفاق جديدة- «إثنوليبيا».
لوحات توثق سرديات التاريخ والصورة- الشعر والفن التشكيلي يساهمان في الأعمال الإنسانيةكما أن في مصر مثلا، أرى أن معظم الناس متأخرين، والأسباب متعددة، وأهمها الازدحام المروري الخانق بالطبع، كما لاحظت قلة الساعات العامة في القاهرة، ولكن نيويورك أكثر التزامًا بالمواعيد.
لكني شعرت أيضًا أن لساعات نيويورك دلالة أعمق، فهي تعكس الكمال الذي بلغه الإنسان، ولها أيضًا معنى كبير بالنسبة لي، لأنني دائمًا ما أخشى الموت قبل إنجاز أمر بالغ الأهمية.
«لوحاتي في سوثبيز.
والصراع على الشراء يصنع الأسعار الخيالية»■ نطالع في المزادات لوحات تباع بملايين الدولارات، ما حقيقة هذه الأسعار؟هذه أرقام حقيقية، لكنها خاصة بصالات المزادات.
السبب هو «صراع الرغبة» في الشراء، وليس سعراً حقيقياً للوحة.
أنا شخصياً حضرت مزادات في «سوثبيز» بنيويورك، حيث تبدأ لوحاتي من 20 ألف دولار، وخلال المزايدة ترتفع إلى 50 أو 70 ألفاً بسبب التنافس.
صالة سوثبيز رحبت بإدراج أعمالي في مزاداتها، ولديّ خطاب رسمي من المسؤول جوليان داوس يؤكد ذلك.
■ أثارت جداريات الفنان العالمي «بانكسي» ضجة وانتشرت رسوماته في الشوارع وعلى منصات الأخبار، كيف ترى فنه؟«بانكسي»، اسمه الحقيقي روبن جونينجهام، وهو إنجليزي، رسم بعض الجدارايات التي اعتبرها البوليس الإنجليزي «تشويه» و«تخريب» لبعض المباني، فهرب، وقام بتغيير اسمه، لكنه استمر في الرسم على الجدران.
وعندما بدأ الحصار يزداد سافر الي نيويورك، وأكمل مسيرته، وهناك احتضنته بعض المؤسسات اليهودية ماليًا، ومنها التابعة لحقوق الإنسان، وهذا ما أسهم في «شهرته».
■ ألا ترى أملا في الاهتمام بالفن التشكيلي كما يستحق في الوطن العربي؟بالقطع هناك أمل، وألاحظ تغير في التوجهات الإعلامية واهتماماً، وخاصة أن دول خليجية انتبهت لهذا الفن و بدأت بالفعل ببناء متاحف.
■ ما الذي تعتقده نقطة فارقة في مسيرتك؟لوحة «أحلام» تجسّد امرأة تتحرر من القيود والأفكار البالية.
الأم على الكنبة تمثل الماضي، والأخت على السرير تمثل الحاضر، لكن الفكرة الأساسية هي التحدي ورغبة تغيير النظرة المتعارف عليها.
هذه اللوحة كانت سبباً في شهرتي، إلى جانب معرض «ساعات مدينة نيويورك» الذي استغرق أكثر من سنة وكلفني 50 ألف دولار، كما أن جريدة «نيويورك تايمز» كتبت عن معرضي كفنان وعن مشواري في الفن التشكيلي.
■ ما هي كلمتك إلى هؤلاء الموهوبين ويبحثون عن بقعة ضوء في سماء الفن؟الفن ليس ترفاً، هو صناعة وحضارة.
ونصيحتي للشباب: طريق الفن صخب ولا وساطة فيه.
إذا شعرتم أنكم تسلكونه بصدق، فاستمروا مهما كانت التحديات.
وإذا لم تجدوا إشارات إيجابية بعد ثلاث سنوات، فغيروا مساركم دون عناد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك