إن إعدام السجناء السياسيين – يوم الاثنين، 4 مايو، في مدينة مشهد ليس مجرد إجراء قضائي معزول، بل هو إشارة سياسية مدروسة بدقة.
إن إعدامهم شنقاً بتهمة التورط في مقتل عناصر من ميليشيا الباسيج خلال الاضطرابات، يخدم هدفاً أوسع بكثير: تعزيز مناخ الخوف في لحظة تشعر فيها السلطة الحاكمة بضعف وهشاشة متزايدين.
ولعدة أشهر، أشارت الأدلة إلى نمط واضح وممنهج؛ ففي ظل التوترات الخارجية وظروف الحرب، سرعت سلطات النظام الإيراني من استخدام عقوبة الإعدام.
والهدف من ذلك ليس عقابياً، بل هو وقائي في المقام الأول، يهدف إلى ردع عودة المعارضة المنظمة واحتواء ما يصفه المسؤولون بـ الشبكات المتمردة.
غير أن ما يميز اللحظة الراهنة ليس فقط تصاعد وتيرة القمع، بل تلك الصراحة الفجة التي يعبر بها المطلعون على بواطن الأمور في النظام عن منطقه الأساسي.
فالتصريحات التي تنشرها وسائل الإعلام التابعة للدولة لا تترك مجالاً للتأويل؛ إذ نُقل عن أحد المسؤولين، وهو غلام رضا قاسمیان، إعلانه أن الله أراد لنا هذه الحرب، مؤطراً الصراع المستمر ليس كحالة طارئة، بل كضرورة حتمية.
إن المغزى صارخ وواضح: سواء تم خوض هذه الحرب بـ شرف أو تحملها بدونه، فإنها تظل أمراً لا غنى عنه.
ويذهب هذا التأطير إلى أبعد من ذلك؛ فقد أعرب قاسمیان بصراحة عن أسفه لوقف إطلاق النار المؤقت، مبدياً رغبته في تجدد الأعمال العدائية.
وبحسب كلماته، فإن مصير إيران يتحدد في هذه الحروب، وفي حالة لا حرب ولا سلام، لا يجني النظام شيئاً.
هذه التصريحات ليست مجرد مبالغة بلاغية، بل تعكس عقيدة استراتيجية يفضل فيها النظام الكهنوتي التوتر الدائم على الاستقرار الداخلي.
هذه ليست عقيدة جديدة بأي حال من الأحوال؛ فقبل سنوات، أقر جواد منصوري، أحد الشخصيات المؤسسة لحرس النظام الإيراني، بالدور التأسيسي للحرب الإيرانية العراقية في ترسيخ سلطة النظام، وذكر بوضوح أنه لولا الحرب، لربما لم تصمد الثورة.
ووفقاً لمنصوري، وفر الصراع الهيكل والشرعية والزخم اللازم لقمع المعارضة الداخلية وتحييد الفصائل الرافضة.
ومجتمعة، تكشف هذه التصريحات عن الاستمرارية التاريخية بدلاً من الانحراف؛ فالحرب، في هذا الإطار، ليست أزمة خارجية مفروضة على النظام، بل هي أداة يتم استغلالها عمداً للحفاظ عليه.
ومن خلال إدامة بيئة من المواجهة، تبرر الدولة التدابير الأمنية المشددة، وتضيق الفضاء السياسي، وتهمش المعارضة تحت راية البقاء الوطني.
لذلك، يجب قراءة الإعدامات الأخيرة ضمن هذه الهندسة الأوسع للقمع؛ إنها ليست مجرد ردود فعل على أفعال سابقة، بل هي تدابير استباقية ضد اضطرابات مستقبلية محتملة.
وفي وقت تتكثف فيه الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، والتشرذم السياسي، والاستياء الشعبي، تبدو قيادة الولي الفقیة وكأنها تعود إلى آلية مألوفة ومجربة: التصعيد خارجياً من أجل إحكام السيطرة داخلياً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك