في الأول من مايو/ أيار 2026، أُسدل الستار رسمياً على عضوية امتدت تسعة وخمسين عاماً، حين دخل قرار الإمارات بالانسحاب من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وتحالف أوبك+ ثم منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك) حيز التنفيذ.
لم يكن هذا القرار مفاجئا لمتابعي الشأن النفطي، إذ كانت إشارات الخلاف بين أبوظبي والمنظمة تتراكم منذ سنوات، لكن توقيته في خضم حرب أميركية إسرائيلية على إيران، وفي ظل اضطراب جيوسياسي يضرب الشرق الأوسط جعله حدثا لافتا أكثر بما يستوجب التمعن بتداعيات القرار والتفكير بما هو أبعد من مجرد خلاف على الحصص، إذ هو انحياز لخيارات أخرى تتعلق بفعالية التكتلات والمنظمات الإقليمية في خدمة الدول الأعضاء.
الخلاف الإماراتي مع دول أوبك والسعودية تحديدا حول السياسة النفطية من أهم العوامل لفهم قرار الانسحاب، فالخلاف ليس وليد اللحظة، بل يعود إلى 2020 حين طالبت أبوظبي بزيادة حصتها الإنتاجية وخط الأساس الذي تحسب على أساسه حصص الدول الأعضاء، ذلك الخلاف شكل أول مواجهة علنية مع الرياض داخل المنظمة النفطية، وجوهر الخلاف يتعلق بما يعرف بـ" خط الأساس" عند تجديد توقيع اتفاق أوبك+ في إبريل/نيسان عام 2020 خلال أزمة كورونا، حيث تم الاتفاق على حساب حصة كل دولة من إنتاجها الفعلي في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2018.
وكان خط أساس الإمارات في حينها هو 3.
168 ملايين برميل يوميا، ومنذ ذلك الوقت رفعت الإمارات طاقتها الإنتاجية الى أكثر من 4 ملايين برميل يوميا، وهو ما يعني أن جزءا كبيرا من إنتاجها يعتبر متعطلا في الوقت الذي أصبحت فيه بحاجة الى زيادة إيراداتها من صادراتها النفطية.
من جهته جاء بيان وزارة الطاقة والبنية التحتية الإماراتية وتصريحات وزير الطاقة سهيل المزروعي حول الانسحاب بنبرة دبلوماسية، إذ وصف المزروعي القرار بأنه قرار سيادي جاء بعد مراجعة شاملة لسياسة الإنتاج والطاقة الإنتاجية، وأن الخروج في هذا التوقيت هو الصحيح، لأنه سيكون أقل تأثيرا وضررا على الأسعار والشركاء في أوبك وأوبك+، في ما يمكن فهمه على أنه ليس قطيعة بالكامل، إذ إن ائتلاف المنتجين عبر أوبك في سوق النفط العالمي أثبت فعاليته على مدى عقود من العمل والتنسيق المشترك.
رد الفعل من أوبك جاء أيضا دبلوماسيا، ويبدو أن أمانة المنظمة لم تُفاجَأ بالقرار الإماراتي بالانسحاب، إذ لم يصدر بيان حاد من الأمانة العامة للمنظمة في فيينا؛ بل إن أبرز ردود الفعل جاءت في ما يمكن وصفه بـ" حياد دبلوماسي"؛ إذ اجتمعت أوبك+ بعد أيام قليلة من الإعلان وأقرّت زيادة في الحصص الإنتاجية دون أن تشير إلى الانسحاب الإماراتي.
هذا الصمت -التجاهل- تمكن قراءته بطريقتين: إما إنه محاولة لتجنّب تصعيد قد يدفع أعضاء آخرين متذمرين (كالعراق ونيجيريا) لحذو حذو الإمارات، أو إنه تسليم ضمني بأن المنظمة ضعُفت ولا تملك أوراق ضغط على عضو منسحب.
أما موقف السعودية، المنتج الأكبر في المنظمة النفطية، فانطلق من مبدأ الحزمة الواحدة، والتخوف من أن فتح ملف خطوط الأساس سيفتح المجال لمطالب مماثلة من دول غير راضية عن حصصها، مما قد يُربك المنظمة بأكملها ويهدد قدرتها على التأثير على الأسواق والتحكم بالمعروض.
أما تداعيات القرار الإماراتي فيجب التفكير بها على المديين القصير والمتوسط؛ إذ لا يتوقع في المدى القصير أن يؤثر انسحاب الإمارات التي يشكل إنتاجها حوالي 12% من إنتاج أوبك على الأسعار العالمية التي تعاني من شح الامدادات بسبب الاضطرابات الجيوسياسية.
أما على المدى المتوسط وحال استعادة الاستقرار في مضيق هرمز فيتوقع أن يظهر التأثير بشكل أوضح، لكن الزيادة الإنتاجية التي يمكن أن تصل إليها الإمارات فوق حصتها الحالية والمقدرة بحوالي مليون برميل يوميا فلن تشكل زيادة ملحوظة قياسا الى الاستهلاك اليومي العالمي المقدر بحوالي 102 مليون برميل يوميا.
هذه الزيادة يمكن استيعابها من قبل الدول الأعضاء الأساسيين في" أوبك" الذين ينتجون أكثر من 27% من الإنتاج العالمي، أما حصة أوبك+ فتصل إلى 46%، أي تقريبا نصف الإنتاج العالمي، مما يعني أن السوق النفطية لن تعاني من فائض في المعروض إذا اقتصر الانسحاب على الإمارات، أما بالنسبة للدول المستهلكة، فمن الممكن أن تشكّل الزيادة في المعروض في وقت لاحق فرصة لتخفيف الضغوط التضخمية التي تعاني منها جراء ارتباكات سلاسل التزويد حال انخفاض الأسعار في مرحلة لاحقة.
في الخلاصة، لا يمكن التقليل من أهمية انسحاب الإمارات من المنظمات النفطية الثلاث، أوبك وأوبك+ وأوابك، الأمر الذي يمكن أن يضعف موقف أوبك التفاوضي في مواجهة المنتجين من خارجها، خاصة الولايات المتحدة وروسيا.
ومن الواضح أن المستجدات تضع أوبك امام خيارين: إما إعادة هيكلة جدية تأخذ بعين الاعتبار الواقع الجديد لقدرات الأعضاء الإنتاجية وتعطي مرونة أكبر، أو الاستمرار بالنموذج الحالي مع المخاطرة بفقدان أعضاء آخرين.
الأمر الأكيد أن تحالف المنتجين عبر عقود خدم الدول النفطية المنتجة أكثر من الدول المستهلكة، والتنافس بين الدول المنتجة لن يكون مفيدا في تنظيم السوق أو التحكم بأسعار النفط، ويعتبر تحالف أوبك+ خير دليل على ذلك، وخروج الإمارات قد لا يعني القطيعة كاملة؛ إذ سبق أن خرجت إندونيسيا من عضوية أوبك قبل أن تعود اليها وتعود للانسحاب مرة أخرى، وهو ما يعني أن الدول تنضم وتخرج من المنظمة بما تمليه مصالحها، والأكيد ان تنسيق سياسات الإنتاج التي تؤثر على الأسعار هو السبيل الأفضل لزيادة عوائد الدول المنتجة، والوقت وحده كفيل ببيان صواب القرار الإماراتي أو عدمه وفقا لما ستمليه ديناميكيات الأسواق عندما تستقر الأحوال وسلوك الدول أخرى غير الراضية عن الترتيبات الحالية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك