باغتتني سيدة مثقفة بموقف مدهش غير متوقع من مثلها، وهي تقول باستسلام ونفس مقطوع: لقد كنتم محقين أيها الرجال، وكنا مخطئات حينما نزلنا ننافسكم، ليس لنا إلا البيت، فلتواجهوا أنتم العالم، ثم لتأتوا لنا ولأطفالنا بثماره، حقًّا الرجال قوامون على النساء، بما أنفقوا.
قلت لها ضاحكًا: لا تقلقي، سنجلس جميعا، رجالا ونساء في المنازل، خلال سنوات، وستؤول القوامة للآلات، لتنفق علينا جميعا، هذا إن رضي صانعوها ومطوروها، أو هكذا نأمل أن يرحمنا سادة العالم الجدد من الآلات.
بالفعل، فنحن اليوم لا نتحدث عن صراع أدوار بين الجنسين، بل عن “إزاحة كبرى” يمارسها الذكاء الاصطناعي التوليدي، حين تزاوج مع جسد الروبوت، ليصنع كائنًا يمتلك مهارة العقل وبأس الساعد.
لقد دخلنا عصر *”القوامة الرقمية”*؛ حيث الآلة لا تعمل فحسب، بل تُدبر وتُنتج وتُعيل.
لسنوات خلت، ظل مفهوم الإنفاق هو حجر الزاوية في هيكل الأسرة التقليدي، والمبرر المادي لمركزية الرجل.
لكن، حين يتم تزويد الروبوتات بذكاء توليدي قادر على صياغة الأكواد البرمجية، وإدارة المحافظ الاستثمارية، وبناء ناطحات السحاب، وجني المحاصيل بدقة تضاهي أنامل الجراح؛ فمن سيبقى “قوامًا” على من؟إن الذكاء الاصطناعي اليوم يحيل المفاهيم التقليدية للعمل والكدح إلى التقاعد الإجباري.
فإذا كانت القوامة في جوهرها هي “القيام على الشأن والرعاية”، فإن الآلة تستعد لتولي هذا الدور بشمولية مذهلة، فهي لا تكلّ ولا تملّ، ولا تطلب أجرًا ولا إجازة.
هنا، يصبح الرجل والمرأة معًا في كفة واحدة، أمام “عملاق فولاذي” يمتلك مفاتيح الوفرة الإنتاجية.
هنا تبرز المفارقة الوجودية: عالةٌ على الآلة أم سادةٌ للفراغ؟وتطرح هذه التحولات سؤالاً أخلاقيًّا واقتصاديًّا موجعًا: هل سيصبح البشر “عالة” على نتاج الآلات، يتقاضون منها “نفقاتهم” عبر نظام الدخل الأساسي الشامل، فتتحول الآلة إلى “المعيل الأول” للجنس البشري؟هنا ينقسم المشهد إلى رؤيتين متناقضتين:1.
يوتوبيا الوفرة: حيث يتحرر الإنسان من “لعنة الكدح” ليتفرغ للإبداع والفلسفة والسمو الروحي، بينما تقوم منظومات الذكاء الاصطناعي بدور “الخادم القوّام” الذي يضمن تدفق الاحتياجات المعيشية للجميع دون تمييز.
2.
*ديستوبيا الإقصاء: * وهي المأساة المعيشية التي يخشاها المتخصصون؛ فإذا تركزت ملكية هذه “الآلات القوامة” في يد قلة من الجبابرة الرقميين، سيجد السواد الأعظم من البشر أنفسهم خارج حلبة الإنتاج، بلا عمل وبلا دخل، وبلا مبرر وجودي في اقتصاد لا يحتاج إلى عضلاتهم أو عقولهم.
إن انحسار دور الإنسان كـ “آلة إنتاج” لصالح الذكاء الاصطناعي سيعيد صياغة العلاقات الإنسانية.
فإذا كفّ الرجل عن كونه “المصدر الوحيد للمال”، وكفت المرأة عن كونها “المسؤولة الوحيدة عن التدبير المنزلي” بفضل الروبوتات المنزلية الذكية، فستعود العلاقة بينهما إلى جوهرها الإنساني العاري من شروط المادة.
القوامة الحقيقية في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون بالإنفاق، فالآلة هي من ستنفق، ولن تكون بالكدح، فالآلة هي من ستعرق.
ستصبح القوامة “معنوية” بامتياز؛ قوامة الروح، والاحتواء العاطفي، والقيادة الأخلاقية التي تفتقر إليها الخوارزميات مهما بلغت من الذكاء.
إننا لا نشهد نهاية القوامة، بل نشهد “هجرتها” من عالم البشر إلى عالم السليكون.
وبينما نستعد لهذا التقاعد المبكر، يظل التحدي الأكبر: كيف سنقتسم غنائم هذه الآلة؟ هل سنكون شركاء في الوفرة، أم سنقف طوابير طويلة نستجدي “نفقة” من ذكاء لا يملك قلبًا، لكنه يملك كل شيء؟ألا يبدو أن الجدل حول من يسود البيت سيبدو ضئيلًا جدًّا أمام سؤال: من يسود الكوكب حين تعمل الآلة نيابة عنا جميعًا؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك