كثيرون في المنطقة لا يعرفون كثيراً عن الأردن، فهو من البلدان التي نُمِّطت صورتها؛ فإذا هو صحراء وبداوة، ورسَّخ هذا إنتاج درامي عاطفي ورخو، وجد انتشاراً واسعاً في سبعينيّات القرن الماضي وثمانينيّاته، كانت فيه المليحات يَردن عيون الماء، وينتظرن الحبيب المولَّه وهو يسترق النظر إليهن بحياء بينما يجلسن قرب العين، أو يتهادين عائدات إلى مكائد أبناء العمومة البعيدين، ونساء الشيوخ الغيورات.
ولا بأس من شعر يُغنّى، ويؤرِّخ قصص الحبّ تلك التي تنتصر فيها الأخلاق النبيلة في نهاية المطاف على" خسّة" الكائدين والمتآمرين.
في تلك الحقبة بالضبط كان شبّان البلاد يتجوّلون في شوارع عاصمتهم بشعور طويلة، وقمصان بياقات عريضة، مثل أقرانهم في العالم كلّه، ويعرفون أورنيلا موتي، وآل باتشينو، بل فليني أيضاً، وفرانسيس فورد كوبولا، ويقصدون دور السينما مع زوجاتهم أو شقيقاتهم لحضور فيلم" أبي فوق الشجرة".
كانت تلك" الدراما البدوية" جنايةً كبرى لحقت ببلد عربي أصاب نصيباً من الحداثة مثل جواره، وبنى الجامعات ودور السينما والمسارح، بل أنتج نموذجه الخاصّ في المعمار وتنظيم المدن، وكان قادراً دائماً على مفاجأة زائره: لماذا قالوا لنا إنكم بلد فقير؟ يقولون ذلك عندما يمرّون ببعض أحياء عمّان الباذخة والثرية، أو أين نجد البدو في الجوار؟ فمن المطار إلى فنادق العاصمة لم نعثر على واحد منهم يهزّ فنجان القهوة بيده ترحيباً بالضيف؟ وكانوا يقولون ذلك وهم يتلفّتون يمنةً ويسرةً علّهم يعثرون على" سويلم" الذي يدقّ المهباش، ويحضّر القهوة، وعليه في الأثناء ألا يعبس في وجه ضيفه في أيّ حال كما توصيه الأغنية ذائعة الصيت والانتشار، على الأقلّ في سبعينيّات القرن الماضي.
كثيرون، مثلاً، فوجئوا بوجود كنائس في الأردن، كأنّ يوحنا لم يُعمّد السيد المسيح نفسه بالقرب من نهره.
لا يُلام هؤلاء ولا سواهم، فثمّة أردن آخر أخفقت الرواية الرسمية في تصديره أو حتى ربّما فهمه والاعتراف به، وهو الأردن الحقيقي، المتعدّد أصولاً وثقافة، المختلف، الذي يتّصل بحراك المجتمع نفسه الذي حوّل منزل الضابط البريطاني غلوب باشا إلى دارة للفنون، وسَقَفَ السيل الهادر في ما مضى من سنين وجعله سُوقاً، بل أنتج مجانينه الذين كانوا يتجوّلون في شوارع عاصمته، وجعل غاندي اسماً لطفل في الجنوب، ولينين لآخر في إربد أو مادبا.
رابطة الكتّاب الأردنيين جزء أساس من ذلك الأردن الآخر الذي لا يعرفه كثيرون، فحتى في ظلّ الأحكام العرفية (العسكرية) تمكّن المجتمع، الأكثر غنى وتنوّعاً من حكوماته، من أن ينتج نُخبه المتّصلة بالعالم وأفكاره وأيديولوجياته ومدارسه الفكرية والأدبية، وأن ينتزع حقّه في أن يعبّر عن نفسه ومن يمثّله، وأن يحوّل الموت إلى قيامة، وانتحارَ الشاعر والروائي تيسير السبول إلى بداية، وانطلاقة لأول تجمّع للكتّاب في البلاد.
عرفت رابطة الكتّاب مجداً لم تبلغه الأحزاب، وبعضها عريق، واقترحت صورة لبلادها غير تلك التي رسّختها الدراما التي أبّدت المجتمع الأردني وحشرته في حقبة تجاوزها، لكنّ الرابطة التي كانت" حاجة"، تحوّلت عبئاً على أصحابها وأعدائها، فثمّة مَن يشدّها إلى الخلف ويكاد ينجح، تماماً كما نجح تنميط البلاد في صورة تظلمه ولا تعكس عمق تحوّلاتها وغنى مكوّناتها من مواطنين وأصول وأعراق وأديان وطوائف.
تلك جناية أخرى، تحبس ولا تحرّر، تظلم ولا تنصف، فسويلم الذي يدقّ المهباش كان" حاجة" في وقته، والعودة إليه، لا إلى ما يمثّل من قيم تصبح عبئاً لا هُويّة، فأنجاله وأحفاده ومن جاورهم في الأرياف والمدن هم من بنى بلداً حديثة، ومنهم من حمل السلاح أو القلم، فحاور طه حسين وردّ عليه وفكّك منهجه، ومنهنّ من كتبن الشعر والرواية وأبدعن، لولا أنّها الصورة النمطية التي يبدو أنّ كثيرين يستفيدون منها.
الجناية هي في التدخّل، أيّاً كان القائمون عليه، لإجبار شاعرة أردنية في وزن مها العتّوم على الانضمام إلى القطيع، ولا يريد أن يراها إلا وهي ترد الماء، ولا بأس لديه بطرد طاهر رياض، وزهير أبو شايب، ويوسف عبد العزيز، وباسل رفايعة، من جنّة الوطنية والهُويّة، أو دفع تيسير السبول إلى الانتحار مجدّداً، وغالب هلسا إلى مغادرة البلاد وعدم العودة إليها إلا ميّتاً.
ماذا تفعلون يا قوم؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك