ودعنا أمير الغناء العربي المطرب الكبير هاني شاكر إلى مثواه الأخير، ليرحل الجسد ويبقى الأثر، عشرات من الألبومات وما يقرب من 600 أغنية طربية متنوعة ما بين رومانسي وشجني ودرامي ووطني، فهو أحد أكثر المطربين غزارة في الأغاني كماً، متفوقاً بضعفين على عدد الأغاني التي غناها موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب بصوته التي وصلت لـ230 أغنية ومتفوقاً أيضاً على العندليب عبدالحليم حافظ الذي غنى ما يقرب من 300 أغنية بصوته، وكذلك أبناء جيله باستثناء المطرب الكبير علي الحجار الذي غنى ما يقرب من ثلاثة آلاف أغنية.
تابعت كما تابع ملايين الشعب المصري تشييع جثمانه إلى مثواه الأخير وكم الحب والاحترام الذي ساد جنازته، ودموع الملايين التي ذرفت على فراقه، استرجعت ذكريات من عمري داخل أروقة غرف البروفات في دار الأوبرا وحفلاته التي دائماً كاملة العدد في مهرجانات الموسيقى العربية المختلفة وغرفته التي يقف أمامها عشرات من المعجبين والمحبين، تذكرت حفلته في عيد ميلاد مجلة الكواكب مع شيرين عبدالوهاب وكيف تعاون ليخرج الحفل على أكمل وجه والابتسامة لا تفارقه، تذكرت المسرح الذي كان يصول ويجول فيه وعقب كل أغنية كلمة «بحبكم».
نعم، هو إحساس الحب الذي عبر عنه في كل أعماله بتقلباته من هجر وفراق ولوعة وجراح وفرح وعشق، كان ينتقي الكلمات والألحان ويجعل منها مشاعر تدخل القلب قبل الأذن وتشنّف الوجدان، صوت ترتقي معه بنغماته إلى عنان السماء لتحلق في ملكوت آخر وتنسى الزمان والمكان.
انتبهت إلى الجثمان وهو يخرج من المسجد ملفوفاً بعلم مصر ولا أعرف من أين أتى بي هذا الخاطر فنحن لم نودع رمزاً وقيمة كبيرة في عالم الفن العربي والمصري، بل كنت أودع أحد الحصون المتبقية من قلعة الفن الأصيل والموسيقى العذبة، كنت أودع أميرها وفارسها الذي حارب بكل ما أوتي من قوة في الدفاع عنها أمام موجات الغث والابتذال وأغاني المهرجانات، حارب بشرف ولم يلقِ سيفه يوماً.
لم تكن معركته الأخيرة، ومع هذا حافظ على الطرب الأصيل طوال عمره وخاصة السبع سنوات التي تولى فيها عمله كنقيب للموسيقيين وشن هجوماً على مؤدي المهرجانات ومنع عدداً كبيراً منهم من الغناء وأطلق عليهم اسم «عناصر غير مؤهلة»، ورفض الغناء بأسلوب الفلاش باك ليجعل من العازفين وجوداً ويقضي على البطالة في النقابة، هذا هو ما تعلمه من كبار الأساتذة في عالم الفن أمثال عبدالرحمن الأبنودي، مرسي جميل عزيز، أحمد شفيق كامل و بليغ حمدي، صلاح الشرنوبي، وحسن أبوالسعود وغيرهم.
لم يخسر أمير الغناء العربي معركة المهرجانات ولم يحارب طواحين الهواء ولكنه تركها ليدخل في معركته الوحيدة التي خسرها، معركته الأخيرة مع المرض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك