تقدّم رواية" أقمار مالي ألميدا السبعة" للكاتب السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا، الفائزة بجائزة البوكر العالمية لعام 2022، نصاً روائياً يعيد مساءلة العلاقة بين الحرب والذاكرة داخل بنيةٍ سردية تجعل من الموت موقعاً للرؤية.
العمل صدرت ترجمته العربية، حديثاً، بتوقيع ميسرة صلاح الدين (دار صفصافة للنشر والتوزيع، 2026).
النص لا يقوم على سرد حرب بالمعنى المباشر، إذ يشتغل على تفكيك أثرها وهي تنقل إلى ما بعد الحياة.
فالمصوّر، الشخصية المحورية في الرواية، مالي ألميدا يستيقظ بعد موته داخل فضاءٍ وسيط، برزخ، لا ينتمي إلى الحياة ولا إلى الفناء النهائي.
هناك، تمنح له سبعة أقمار فقط لإعادة ترتيب أثره في العالم من خلال محاولة تمرير صورٍ توثّق فظائع الحرب الأهلية السريلانكية إلى العلن.
في هذا السياق، تتحول الصورة إلى عنصرٍ يتجاوز التوثيق لتصير محاولةً لمقاومة محوٍ تاريخي يتشكّل عبر الصمت والنسيان.
فالحرب، الممتدة بين 1983 و2009، تقدم في هذا العمل كشبكة معقدة تتداخل فيها أطراف متعددة، وهو ما يجعل الحقيقة نفسها غير قابلةٍ للاختزال في روايةٍ واحدة مستقرة.
السرد يجري بناؤه من موقع راوٍ ميتٍ يراقب العالم من خارج الزمن، وهو خيار يمنح النص قدرةً على إعادة النظر في الوقائع دون الوقوع في حيادٍ فعلي.
فالمسافة التي يتيحها الموت تنتج تكثيفاً للسخرية التي تتسلل إلى تفاصيل العالم الآخر، الذي تتحول فيه المصائر إلى إجراءاتٍ إدارية داخل فضاء بيروقراطي غامض.
توترٌ دائمٌ بين جدية الموضوع وخفة المعالجة وبين ثقل التاريخ وإيقاع السردمالى، الذي كان في حياته مصوراً ساخراً ومقامراً ومتمرداً على أي انتظام أخلاقي، يستمر بعد موته في إنتاج النبرة نفسها، وكأنّ الموت يعيد تشكيل الشخصية بدل أن ينهيها.
ومن هنا يتولد توترٌ دائمٌ بين جدية الموضوع وخفة المعالجة وأيضاً بين ثقل التاريخ وإيقاع السرد.
يتحول العالم الآخر في الرواية إلى بنيةٍ عبثية يجري فيها إعادة طرح الأسئلة الوجودية بمنطق إداري، فتختزل القضايا الكبرى إلى معاملات مؤجلة كما يعاد تنظيم الفقد داخل نظام لا يبدو أنه يسعى إلى تفسير العالم بقدر ما يسعى إلى تنظيم فوضاه.
في هذا الإطار، تعمل السخرية كأداة كشفٍ لحدود المعنى حين تجري مواجهته بالعنف.
على مستوى البناء، تستدعي الرواية تقاليد متعددة دون أن تستقر داخل أي منها، من الواقعية السحرية لدى غابرييل غارسيا ماركيز وسلمان رشدي إلى ملامح العبث السياسي في الأدب الحديث، لكنها تعيد تشكيل هذه التأثيرات داخل سياق سريلانكي كثيف، يتحول فيه التاريخ إلى مادة متشظية لا تروى من زاوية واحدة.
وقد توقفت قراءات نقدية للرواية، التي يتعدى عدد صفحاتها 500 صفحة، في صحف أجنبية عند هذا الاشتغال المركّب، معتبرةً أن الرواية لا تقترح أبطالاً بقدر ما تكشف عن شبكةٍ واسعة من التورط في العنف، تتداخل فيها المواقع الأخلاقية إلى درجة يصعب معها الفصل بين الضحية والفاعل، كما أشارت هذه القراءات إلى أنّ النص يبني فوضاه على نحو واعٍ، يجعل منها جزءاً من جماليته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك