في السنوات الأخيرة، تحوّلت الشاشات إلى جزء أساسي من حياتنا التعليمية واليومية، من الهواتف الذكية إلى الأجهزة اللوحية والحواسيب المحمولة.
لكن هذا التحول الرقمي المتسارع أعاد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل نستوعب المعلومات بشكل أفضل عند القراءة على الورق أم عبر الشاشات؟عاد هذا الجدل إلى الواجهة مؤخرًا بعد إعلان الحكومة السويدية تراجعها عن الاعتماد الواسع على الأجهزة الرقمية داخل الفصول الدراسية، والعودة إلى الكتب الورقية، وسط مخاوف من تراجع نتائج الطلاب وارتفاع وقت استخدام الشاشات.
فهل القراءة الرقمية تضعف الفهم فعلًا؟ أم أن الأمر يعتمد على نوع الشاشة وطريقة عرض النص؟لماذا تُعد القراءة عملية معقدة؟رغم أن القراءة تبدو مهارة بسيطة بالنسبة لمعظم البالغين، فإن علماء الإدراك يؤكدون أنها واحدة من أكثر المهارات تعقيدًا التي يتعلمها الإنسان، وفقًا لموقع" ذا كونفرسيشن".
فاللغة المنطوقة نمتلك استعدادًا بيولوجيًا طبيعيًا لاكتسابها، بينما القراءة مهارة مكتسبة بالكامل، تحتاج إلى سنوات من التدريب والتعليم حتى يتقنها الدماغ.
وعند قراءة أي سطر، لا تتحرك العينان بسلاسة كما نعتقد، بل تقومان بسلسلة من الحركات السريعة جدًا تُعرف باسم" الرمشات" أو الحركات القافزة، تتخللها لحظات قصيرة من التثبيت على الكلمات.
وخلال هذه التثبيتات فقط، يستطيع الدماغ معالجة المعلومات البصرية وفهم الكلمات.
كيف يعالج الدماغ الكلمات أثناء القراءة؟تشير أبحاث تتبع حركة العين إلى أن الإنسان لا يرى الجملة كاملة دفعة واحدة، بل يركز على نطاق بصري محدود للغاية حول نقطة النظر.
وفي اللغات التي تُقرأ من اليسار إلى اليمين مثل الإنكليزية، يمتد هذا النطاق من حرفين أو ثلاثة أحرف إلى اليسار، وحتى 12 حرفًا تقريبًا إلى اليمين.
أما في اللغة العربية، فينعكس الاتجاه بسبب طريقة القراءة من اليمين إلى اليسار.
كما أظهرت الدراسات أن انتقال المعلومات من العين إلى الدماغ يستغرق نحو 60 مللي ثانية، بينما يحتاج التعرف على الكلمات وفهمها إلى ما بين 100 و300 مللي ثانية إضافية.
لهذا السبب، توجد حدود طبيعية لسرعة القراءة البشرية، تتراوح غالبًا بين 300 و400 كلمة في الدقيقة، وفقًا لصعوبة النص ومستوى القارئ.
هل القراءة السريعة تقلل الفهم؟يرى الباحثون أن برامج ودورات" القراءة السريعة" التي تعد بسرعات خارقة غالبًا ما تعتمد على التصفح السريع للنصوص بدلًا من القراءة العميقة.
وبينما يمكن لهذه الطريقة أن تساعد على التقاط الفكرة العامة، فإن مستوى الفهم والاستيعاب يتراجع تدريجيًا كلما ارتفعت سرعة القراءة بشكل مبالغ فيه.
ويؤكد العلماء أن القراءة الفعالة تتطلب تنسيقًا دقيقًا بين أنظمة الدماغ المسؤولة عن الانتباه والرؤية والتعرف على الكلمات وفهم اللغة، وأي عامل يشتت هذا التنسيق قد يضعف الاستيعاب.
هل تختلف القراءة على الورق عن الشاشات؟يقول الخبراء إن الإجابة ليست بسيطة، لأن نوع الشاشة وطريقة عرض النص يلعبان دورًا أساسيًا.
فعلى سبيل المثال، لا تختلف أجهزة القراءة الإلكترونية المخصصة للكتب كثيرًا عن الورق، لأنها توفر تجربة قراءة مستقرة وخالية نسبيًا من المشتتات.
لكن المشكلة تظهر غالبًا في البيئات الرقمية المليئة بالإعلانات والتنبيهات والنوافذ المنبثقة، أو في النصوص ذات التنسيق غير المريح، مثل المحاذاة غير المنتظمة والمسافات العشوائية بين الكلمات.
وتشير الدراسات إلى أن الصور المتحركة والإعلانات والأصوات غير المرتبطة بالنص يمكن أن تسحب انتباه القارئ بعيدًا عن المحتوى الأساسي.
ورغم أن البالغين يمتلكون قدرة أكبر على تجاهل هذه المشتتات، فإن الأطفال لا يزالون في مرحلة تطوير مهارات التحكم بالانتباه.
وهذا يعني أن الطفل الذي يحاول فهم نص معقد على شاشة مليئة بالمؤثرات البصرية قد يبذل جهدًا ذهنيًا إضافيًا فقط لتجاهل المشتتات، ما يضعف فهمه للنص.
القراءة الرقمية تغيّر طريقة تعاملنا مع النصوصأظهرت تجارب تتبع حركة العين أن كثيرًا من الأشخاص يتعاملون مع النصوص الرقمية بطريقة مختلفة عن الكتب الورقية.
فعند القراءة على الإنترنت، يميل المستخدمون إلى تصفح النص بسرعة، أو البحث عن كلمات محددة، أو قراءة الفقرات بشكل متقطع بدلًا من القراءة المتأنية والمتسلسلة.
ورغم أن هذه الطريقة قد تكون مفيدة للعثور السريع على المعلومات، فإنها لا تساعد دائمًا على الفهم العميق أو الاحتفاظ بالمعلومات لفترة طويلة.
وازدادت هذه المخاوف بعد جائحة كوفيد-19، التي دفعت المدارس والجامعات حول العالم إلى الاعتماد المكثف على التعليم الإلكتروني والقراءة عبر الشاشات.
ورغم أن هذا التحول كان ضروريًا في ذلك الوقت، فإن الباحثين يؤكدون أن التأثيرات طويلة المدى للقراءة الرقمية على مهارات الفهم والانتباه لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات.
ومع تطور تقنيات تتبع حركة العين، أصبح بإمكان العلماء مقارنة استجابة الدماغ للقراءة الورقية والرقمية بشكل أكثر دقة، ما قد يساعد مستقبلًا في تحديد أفضل الطرق التعليمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك