في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تبدو واشنطن وكأنها تحاول فتح" نافذة سلام" نادرة بين لبنان وإسرائيل، مستفيدة من تمديد وقف إطلاق النار وإطلاق مفاوضات مباشرة، وسط تحذيرات أميركية من أن أي خطأ في إدارة المرحلة قد يعيد المنطقة سريعًا إلى دوامة التصعيد والانفجار.
وبحسب مقال للسفير الأميركي السابق في المغرب إدوارد غابرييل، رئيس" فريق العمل الأميركي من أجل لبنان"، فإن تمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 16 نيسان، إلى جانب بدء المحادثات المباشرة، قد يشكلان تحولًا من مرحلة" التصعيد غير المنضبط" إلى مسار أكثر تنظيمًا نحو الاستقرار وربما نحو تأسيس قاعدة لسلام مستقبلي.
وأشار غابرييل إلى أن هذه الفرصة بُنيت على خطوات اتخذتها القيادة اللبنانية، وصفها بأنها غير مسبوقة منذ عقود، بينها الدعوة إلى مفاوضات مباشرة، والدفع باتجاه نزع سلاح" حزب الله" بالكامل، إضافة إلى إطلاق إصلاحات اقتصادية تهدف إلى إعادة تثبيت مؤسسات الدولة اللبنانية.
لكن الكاتب حذّر من أن نجاح هذه الفرصة يبقى مرهونًا بقدرة لبنان وإسرائيل على تحويل اللحظة الحالية إلى مسار مستدام، متسائلًا عمّا إذا كانت هذه النافذة ستتحول إلى عملية حقيقية أم ستسقط مجددًا تحت ضغط الصراعات التي فجّرت جولات المواجهة السابقة.
وأكد أن وقف إطلاق النار الحالي لا يزال هشًا، خصوصًا أن العمليات العسكرية الإسرائيلية مستمرة، فيما أعاد" حزب الله" تنظيم صفوفه وما زال يحتفظ بقدراته، بالتوازي مع تدهور إنساني واقتصادي متسارع داخل لبنان.
ورأى غابرييل أن أول خطأ قد يهدد المفاوضات يتمثل في محاولة القفز مباشرة نحو" اتفاق سلام شامل"، معتبرًا أن الظروف الحالية لا تسمح بذلك، وأن الأولوية يجب أن تكون لتثبيت وقف إطلاق النار ومنع التصعيد وخلق الحد الأدنى من التنسيق بين الطرفين.
أما الخطأ الثاني، بحسب المقال، فهو اختزال الأزمة بملف سلاح" حزب الله" فقط، من دون معالجة الظروف السياسية والاقتصادية التي تسمح للحزب بالحفاظ على نفوذه.
وشدد الكاتب على أن نزع السلاح ليس مجرد هدف تقني، بل يرتبط مباشرة بقدرة الدولة اللبنانية ومؤسساتها، معتبرًا أن أي محاولة لفرض هذا الأمر بالقوة، من دون تعزيز الجيش اللبناني والدولة، لن تنجح على المدى الطويل.
وأضاف أن الأمن والاستقرار الاقتصادي والانخراط السياسي يجب أن تسير كلها بالتوازي، لأن أي فراغ تتركه الدولة في مناطق نفوذ" حزب الله" سيُعاد ملؤه بالقوى نفسها التي تحاول العملية السياسية إضعافها.
كما اعتبر غابرييل أن الأزمة الثالثة تتمثل في غياب" الهدف النهائي الواضح"، موضحًا أن التوصل إلى اتفاق سلام كامل قد لا يكون واقعيًا حاليًا بسبب حساسية ملف التطبيع داخل لبنان، لكن ذلك لا يعني ترك المسار مفتوحًا بلا أفق.
واقترح في هذا السياق صيغة انتقالية تقوم على" إعلان مبادئ" أو إطار لإنهاء النزاع، يسمح بالابتعاد عن الحرب من دون فرض تسوية نهائية مباشرة، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام اتفاق سلام مستقبلي.
وأشار إلى أن تجارب مصر والأردن مع إسرائيل اعتمدت سابقًا على ترتيبات مرحلية مشابهة، مهدت لاحقًا لاتفاقات السلام النهائية.
وأكد غابرييل أن نجاح أي مسار تفاوضي لن يكون ممكنًا من دون انخراط أميركي دائم، معتبرًا أن واشنطن تبقى الجهة الوحيدة القادرة على ضبط التصعيد، ودعم مؤسسات الدولة اللبنانية، والحفاظ على المسار الدبلوماسي.
كما أشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب استخدم موقعه لدعم هذه المحادثات، لكن المرحلة المقبلة ستتطلب ضغطًا أميركيًا مستمرًا واستراتيجية واضحة تتضمن خطوات متدرجة ونتائج ملموسة.
وفي المقابل، رأى الكاتب أن على الحكومة اللبنانية إظهار نية فعلية لتعزيز سلطة الدولة، وتوسيع دور الجيش اللبناني، واتخاذ خطوات تبني الثقة، بما في ذلك تقديم إشارات جدية لمعالجة ملف سلاح" حزب الله".
كما حمّل إسرائيل مسؤولية أساسية في إنجاح المسار، محذرًا من أن استمرار العمليات العسكرية، خصوصًا في المناطق المدنية، قد ينسف أي فرصة للدبلوماسية.
ودعا تل أبيب إلى اتخاذ إجراءات تبني ثقة، بينها توضيح أنها لا تسعى إلى أي طموحات إقليمية داخل لبنان، إضافة إلى بحث تبادل الأسرى والانسحاب التدريجي.
وختم غابرييل بالتشديد على أن الأزمة الاقتصادية اللبنانية لا يمكن التعامل معها كملف ثانوي، خصوصًا مع تصاعد انعدام الأمن الغذائي واتساع أزمة النزوح، معتبرًا أن أي مساعدات سريعة من صندوق النقد الدولي قد تخفف الضغط مؤقتًا لكنها لن تكون كافية لإعادة الإعمار.
وفي خلاصة لافتة، اعتبر أن واشنطن نجحت في خلق فرصة نادرة، لكن هذه النافذة" ضيقة جدًا" وقد تُغلق سريعًا إذا لم يلتزم لبنان وإسرائيل بمسار جدي ومنضبط، وإلا فإن البديل سيكون العودة إلى التصعيد، ودولة لبنانية أضعف، وأزمة إقليمية أكثر خطورة وتعقيدًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك