السلوك الثقافي.
إضاءات نقدية وإمضاءات معرفيةمنذ بزوغ فجر الثقافة في تاريخ البشرية كان المثقف أنموذجاً يعكس رقي الحرفة ويؤصل ارتقاء المهمة ويوظف سلوك الأدب الذاتي النابع من عمق القيمة إلى أفق المقام.
كان المثقفون ولا يزالون واجهة مضيئة تعيد صياغة السلوك وفق أسس من الضياء في التعامل والتواصل والأسلوب والوسيلة والغاية والهدف وظل صوتهم عبر محطات التاريخ وجهاً ثابتاً من وجوه الصواب رغم تعدد التيارات واختلاف الرؤى وتمدد الثقافات وتجدد الأهداف.
لقد شهدت الثقافة عبر الزمن عقوق بعض أبنائها الذين فضلوا المصالح على المطامح وظهر الجدال كثيراً بسبب حمى التصنيف التي طغت على ميادين الأدب في حقب زمنية مختلفة وظلت ميداناً مفتوحاً للقادمين على أجنحة الجهل لنثر شوائب الخلاف على صفحات بيضاء اعتادت أن تمتلئ بوميض الحوار الراقي والنقاش الموضوعي والهدف النبيل.
أسهمت بعض الخلافات الثقافية المتعلقة بالفكر في نشوء فجوات من التباغض والجدل والتباعد وظهور هوة سحيقة سقطت فيها بعض الآراء وظلت لزمن تراوح مكانها للخروج من عمق الخطأ إلى سطح الصواب مما أوجد لدينا تجارب واضحة وبراهين جلية تقتضي إعادة النظر في مثل هذه القضايا مع ضرورة أن يعيد بعض المثقفين حساباتهم وأن يراجعوا منهجهم للابتعاد عن المساحات الجدلية التي شوهت وجه الثقافة الأصيل.
لقد عكفت خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة بحكم تخصصي الدقيق في علم النفس وارتباطي بالثقافة كحرفة واحتراف إلى تحليل الكثير من المواقف ورصد العديد من مواطن الاختلاف والتعمق في سلوك المثقفين والأدباء والتأمل في تفاصيل الجدال وربط ذلك بالمعنى والهدف وارتباطه بالخطة والنتيجة ووجدت أن هنالك فوضى دخيلة في مساحات الأدب ناتجة عن أسباب متعددة تتعلق بالفكر والرؤى والاتجاه بعشوائية بائسة نحو الشخصنة بعيداً عن التشخيص الواقعي لموضوع النقاش مما جعلني أمام ظاهرة تستوجب الدراسة وتقتضي وضعها على رأس المهام الأولى في الشأن الثقافي والتي تستدعي الشخوص على أسبابها وتداعياتها وعناوينها وتفاصيلها مع الوصول إلى الجذور الراسخة في عمق القضية وكيف تحولت من حوارات صغيرة واختلافات محدودة إلى قضايا كبرى أضرت بالصورة الصافية الزاهية اللائقة بالمعرفة.
هنالك تفاصيل غائبة عن مجهر النقاد الذين انشغلوا كثيراً بالدراسات النقدية ومتابعة الرسائل البحثية لهثاً وراء حصد الدرجات العلمية وظل الكثير منهم يسلطون عين النقد على الإنتاج وتركوا الخلاف الثقافي الأزلي الذي اختفت ملامحه في صورة العلن ولكن جذوره تنمو من جديد مع كل نقاش متجدد مع الابتعاد عن وضع التصورات والتوصيات الواجبة أمام الجهات الثقافية لتفعيل دور المثقف في جوانب السلوك والتصرف والرقي على مستوى اللقاءات أو النقاشات أو الحوارات وصولاً إلى إظهار الوجه المشرق عن الثقافة والأدب وربط السيرة الأدبية بالقيمة الذاتية القائمة على كل أقوال وأفعال المثقف كشخصية ينظر إليها كأنموذج موضوعي يسهم في بناء المجتمع ويحافظ على الهوية السلوكية للأديب من عمق الإنسانية إلى أفق المهنية.
على القطاعات الثقافية الخليجية أن تعقد ورش العمل والندوات وحتى المؤتمرات المتخصصة حول سلوك المثقف ومدى إسهامه في تفعيل الواقع المبهج للمعرفة ودورها الأساسي والمحوري في رفع وعي المجتمعات ودعم الفكر الصائب وترسيخ المعاني السلوكية الراقية في مسائل النقاش والحوار وتشكيل الرأي الثقافي في أهداف سامية وراقية تعود بالنفع على الإنسان والمكان في الحاضر والمستقبل.
abdualasmari@hotmail.
com @Abdualasmari.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك