أثار طرح «خيار ثالث» في لبنان، في موقع «ميغافون» الإلكتروني، سجالات وردوداً بعضها رصين ومُحفّز على التفكير، وبعضها الآخر يرتبط بثقافة ثنائيات مقفلة لا تقبل الاختلاف، ولا تُعنى أصلاً بالنقاش السياسي بقدر ما يعنيها التموضع والتسليم بمنطق التخوين الذي صار أداة الاستقطاب الأبرز في البلد.
و»الخيار الثالث» المُشار إليه هو ذاك الذي يدعو إلى البحث في سبل الخروج داخلياً في لبنان من حلقة مفرغة بين خيار حزب الله الحربي ربطاً بتحالفه مع إيران وخيار بعض الأطراف المعارضة للحزب، التي تتباين وجهات نظرها حول الكثير من المسائل، لكنها تُجمع على ما يُشبه سحرية الحلول الآتية من واشنطن ومن التفاوض مع إسرائيل.
والتفكير بسبل الخروج من هذه الحلقة يفترض إضافة إلى القول بضرورة حصر السلاح بيد الدولة ومثله قرارات الحرب والسلم ورفض منطق ربط الجنوب اللبناني باستراتيجيات طهران، قولاً آخر حول سبُل تحقيق ذلك، وسُبل التعامل مع المفاوضات، وضرورة التمييز بين كل تفاوض مشروع وواجب على الدولة اللبنانية للوصول إلى وقف نهائي للنار ولعمليات تفجير القرى الحدودية وإنهاء الاحتلال، وبين اتفاقيات سلام ثم تطبيع مع إسرائيل، يُمنّي بعض القوى السياسية النفس بها، ولنا عودة إلى ذلك.
ادّعاء واقعية لا واقع لهاذهبت معظم الردود على هذا الطرح إلى القول بلا واقعيّته، أو بهروبه من الواقع نحو «الأخلاق».
في حين ذهبت ردود أخرى إلى القول بحتميّات لا مفرّ منها هي ما يُواجه لبنان بمعزل عن الخيارات المعتمدة أو المُتخيَّلة فيه.
ويمكن التذكير في ما خصّ المأخذ الأول، الذي يُعيب غياب الواقعية، إلى أن الجهد السياسي أو محاولة الخروج من انسدادات أفق سياسي هي في تعريفها سعي لتخطّي واقع لا يبدو أن «الواقعيين» من مدبّري شؤونه ناجحون في التعامل معه.
فلا «واقعية» حزب الله تُفضي إلى وقف العدوان الإسرائيلي والتدمير والاحتلال، ولا «واقعية» خصومه قادرة على نزع سلاحه وبسط سلطة الدولة أو على وقف الحرب الإسرائيلية بمجرّد القبول بوساطة واشنطن وشروطها.
أما الحكي عن غياب قوى منظمة تحمل «الخيار الثالث» فهو بالطبع صحيح، وهو يُحيل إلى أزمة العمل السياسي غير الطائفي في لبنان منذ عقود، ويُصحّ بالتأكيد أيضاً على جميع الأفراد والمستقلّين من خصوم حزب الله الذين يصنّفون أنفسهم ضمن «الخيار الثاني» أو ما يقولون إنه «خيار الدولة»، في حين أن جميع القوى المنظّمة والقوية فيه هي قوى طائفية قابعة في السلطة منذ أكثر من عقدين، ولم يُشهد لها مرّة توق لبناء دولة واحترام مؤسسات ومكافحة فساد، إضافة إلى أن معظمها يتحمّل إلى هذا القدر أو ذاك مسؤولية النكبة المالية التي حلّت بلبنان، قبل أن تحلّ به النكبة الحربية الحالية الأشدّ فتكاً.
البحث عن أفكار ومبادرات وفتح نقاش ليس شرطه «الواقعية» بمفهومها اللبناني إذاً، وإلا لَبات سقف كل فكرة وكل مطلب هو بمقدار قبولها من القوى «الواقعية»، وفي طليعتها حزب الله وخصومه من الأحزاب الطائفية الكبرى.
وفي ما يخصّ ما بدا ميلاً عند كتّابٍ لاعتبار لبنان واقعاً أمام حتميّات هي في جميع الحالات كارثية، بمعزل عن نقاش الخيارات ومزاعمها، فما يمكن إيراده رداً على ذلك هو أن الاكتفاء بهذا الاعتبار، المفهوم في ظلّ الحرب المستمرة والخراب المعمّم ووجود القرارات الفعلية بشأنها في تل أبيب وواشنطن وطهران، يكاد يُعفي من كل مسؤولية داخلية ويُلغي السياسة ذاتها إذ تصبح انتظاراً للآتي بلا محاولات لمجابهته.
فإذا كان صحيحاً أن اقتصاد الدم والمعاناة هو في حالة الحرب الأولوية الوحيدة حين يكون وقفها التام متعذّراً، فإن الأمر يُعيدنا إلى البحث عما يمكن أن يُفضي داخلياً وخارجياً إلى ذلك.
وهذا يعني العودة إلى التفكير في خياراتنا الداخلية، وفي أهداف التفاوض الآن مع إسرائيل برعاية دونالد ترامب، وفي ضرورة اقتصاد الدم والمعاناة أهلياً، أي بين اللبنانيين أنفسهم، وليس خارجياً فقط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك