أثار الأميركي كليف ستانلي عاصفة سياسية وإعلامية في غرينلاند، بعدما حاول خلال الأسبوع الفائت جمع تواقيع من سكان الجزيرة تؤيد انضمامها إلى الولايات المتحدة، مقابل وعد بالحصول على 200 ألف دولار لكل شخص من الحكومة الأميركية، في خطوة أعادت إلى الواجهة الجدل المتصاعد حول أطماع واشنطن في الجزيرة القطبية الغنية بالموارد، والتابعة سيادياً للدنمارك.
المتقاعد الأميركي ستانلي، القادم من ولاية نيفادا والبالغ من العمر 86 عاماً، جال خلال الأيام الماضية في شوارع العاصمة نوك، محاولاً إقناع الغرينلانديين بالتوقيع على وثيقة تدعم تحوّل الجزيرة إلى إقليم أميركي، لكن المبادرة قُوبلت برفض واسع وغضب شعبي، وسط اتهامات بمحاولة" شراء الذمم" واستفزاز المشاعر الوطنية في الجزيرة التابعة للدنمارك.
وقال ستانلي، في تصريحات للتلفزيون الدنماركي، إنه لم ينجح سوى في جمع ثلاثة تواقيع فقط، مضيفاً أن" معظم الناس رفضوا الفكرة".
وأوضح أنه" يحاول دعم بلاده ورئيسه"، نافياً وجود أي تنسيق مباشر مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكن ردات الفعل في غرينلاند جاءت حادة، إذ اعتبر كثير من السكان أن العرض الأميركي يعكس نظرة استعلائية تتعامل مع الجزيرة وسكانها بوصفها سلعة قابلة للبيع.
وتأتي حملة جمع التواقيع في سياق توتر سياسي متكرر منذ أن أعاد ترامب، خلال ولايته الجديدة، إحياء فكرة توسيع النفوذ الأميركي في غرينلاند، بعدما كان قد طرح لأول مرة عام 2019 فكرة" شراء الجزيرة" من الدنمارك، ما أثار آنذاك أزمة دبلوماسية كبيرة بين كوبنهاغن وواشنطن.
وعاد التوتر في بداية العام الحالي ليشتعل، ويشعل معه غضباً أميركياً من التفاف أوروبي حول رفض الدنمارك عروض ترامب للسيطرة على غرينلاند.
ورغم أن ترامب لم يعلن رسمياً أي خطة جديدة، فإن الخطاب الأميركي حول غرينلاند عاد بقوة في ظل التنافس الجيوسياسي المتصاعد في القطب الشمالي، حيث تتزايد أهمية الجزيرة بسبب موقعها الاستراتيجي ومواردها الطبيعية الهائلة، بما في ذلك المعادن النادرة والطاقة والممرات البحرية الجديدة الناتجة عن ذوبان الجليد.
وتخشى السلطات الغرينلاندية من أن تتحول الجزيرة إلى ساحة صراع نفوذ بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، خصوصاً مع تزايد الاهتمام العسكري الأميركي بالمنطقة.
ودفع الجدل الأخير رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن إلى تجديد التأكيد أن" غرينلاند ليست للبيع"، في رسالة واضحة إلى واشنطن بعد الضجة التي أثارتها محاولة جمع التواقيع.
ووصفت رئيسة بلدية نوك السابقة لانغواك لينغه، حملة جمع التواقيع بأنها" صادمة"، مضيفة: " إلى أي درجة يمكن أن يكون الإنسان ساذجاً كي يظن أن بإمكانه شراء ولاء الناس بهذه الطريقة؟ ".
كما اعتبر سكان آخرون، ممن تواصل معهم" العربي الجديد"، سواء كانوا غرينلانديين أو دنماركيين مقيمين في الجزيرة، أن مجرد تجول الرجل في شوارع نوك حاملاً هذا المقترح" إهانة" للغرينلانديين.
ويرى مراقبون أن القضية تكشف حجم الحساسية السياسية داخل غرينلاند تجاه أي تدخل أميركي مباشر، حتى لو جاء من أفراد وليس عبر قنوات رسمية.
وتقول مصادر محلية في نوك لـ" العربي الجديد" إن الواقعة تحولت سريعاً إلى قضية رأي عام داخل الجزيرة، بعدما انتشرت صور وتحركات الرجل الأميركي بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأضاف سكان وناشطون أن" المشاعر لا تزال ملتهبة في غرينلاند كلما طُرح موضوع الانضمام إلى الولايات المتحدة"، وأن كثيرين رأوا في الحادثة امتداداً لمحاولات أميركية قديمة للتأثير بمستقبل الجزيرة.
وقالت المواطنة ريتا مادسن، في اتصال مع" العربي الجديد"، إن ما حدث" محيّر ومزعج"، متسائلة: " كيف يمكن لأحد أن يعتقد أن الناس قد يبيعون بلدهم مقابل المال؟ ".
وقال المواطن نوح كريستانسن إن" هذه التصرفات تنم عن عقلية كاوبوي أميركي، يبدو أن واشنطن لم تفهم الرسالة التي أرسلناها مراراً بأن غرينلاند ليست للبيع، وهم يحاولون الآن عبر مبعوثين شراء ذمم واستغلال الفقر".
ويعيش نحو 57 ألف شخص فقط في غرينلاند، التي تتمتع بحكم ذاتي واسع ضمن مملكة الدنمارك، بينما تحتفظ كوبنهاغن بالسياسة الخارجية والدفاعية.
ورغم أن الجزيرة تعتمد اقتصادياً بشكل كبير على الدعم المالي الدنماركي، فإن التيار الداعي للاستقلال يتنامى تدريجياً، لكن غالبية القوى السياسية الغرينلاندية ترفض في الوقت نفسه أي سيناريو للانضمام إلى الولايات المتحدة.
ويخشى بعض السكان أن يؤدي تصاعد النفوذ الأميركي إلى تقويض الهوية الوطنية والثقافة المحلية لشعوب الإنويت الأصلية التي تشكل غالبية السكان، ويتخوف البعض أن يواجه سكان الجزيرة ما جرى للسكان الأصليين في أميركا، وإمكانية نقلهم للعيش في" محميات" إذا ما سيطرت واشنطن على أرضهم.
مبعوث أميركي يزور غرينلاندومن المتوقع أن يزور مبعوث الرئيس الأميركي إلى غرينلاند، حاكم لويزيانا جيف لاندري، الجزيرة قريباً للمشاركة في مؤتمر أعمال بالعاصمة نوك، في أول زيارة له منذ تعيينه مبعوثاً خاصاً لغرينلاند.
وتأتي الزيارة وسط توتر متصاعد بين واشنطن وكوبنهاغن بسبب تصريحات ترامب المتكررة حول رغبته في توسيع النفوذ الأميركي في غرينلاند، التي تعتبرها الولايات المتحدة موقعاً استراتيجياً مهماً في القطب الشمالي.
كما أثارت تصريحات لاندري السابقة حول" جعل غرينلاند جزءاً من الولايات المتحدة" غضباً واسعاً في الدنمارك والجزيرة.
وتعيد هذه القضية أيضاً تسليط الضوء على الأهمية المتزايدة لغرينلاند في الحسابات العسكرية الأميركية، إذ تستضيف الجزيرة قاعدة" ثولا" الجوية، إحدى أهم القواعد الأميركية في القطب الشمالي، والتي تلعب دوراً رئيسياً في منظومات الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي.
وفي وقت تتنافس فيه القوى الكبرى على النفوذ في المنطقة القطبية، تبدو غرينلاند مصممة على توجيه رسالة واضحة: مستقبل الجزيرة يقرره سكانها، وليس شيكات قادمة من واشنطن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك