في يوم الجاز العالمي (30 إبريل/نيسان الماضي)، ظهر طابورٌ أمام دار الأوبرا السورية في دمشق، امتدّ مئات الأمتار وتألف من سيّدات ورجال مثّلوا مختلف الفئات العمرية ومعظم الشرائح المجتمعية، إذ وقفوا أمداً طويلاً أملاً في الحصول على تذكرة لحضور الاحتفالية الموسيقية بتلك المناسبة العالمية، وقد حملت اسم مهرجان دمشق للجاز.
وقد أحيت الاحتفالية فرقة دمشق لموسيقى الجاز بقيادة عازف الترومبيت والساكسفون، خريج المعهد العالي للموسيقى، دلامة شهاب، لتُعيد إلى الذاكرة الدمشقية ذكرى انطلاقة مهرجان قافلة الجاز سنة 1995؛ فالحدثان يتقاطعان عند رمزيّتين.
تتمثّل الأولى في عودة الرعاية الأممية والأوروبية عبر مؤسسات مثل يونسكو، وكلّ من الاتحاد والمفوضية الأوروبيين.
كما تقترن الرمزية الثانية بالأولى، لبعثها بوادر انتعاش على غرار منتصف التسعينيات، حين بدأ المجتمع الدولي سيرورة انفتاحٍ تجاريٍّ وثقافيٍّ على سورية لقاء انضمامها إلى الحملة العسكرية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية لتحرير الكويت من غزو العراق سنة 1990، ما تمخّض عنه توقيع اتفاقية الشراكة الأورو-متوسّطيّة (عملية برشلونة).
وبما يشبه الأمس، يُعاد اليوم تأهيل البلد عقب ذهاب دكتاتوريّة الأسد.
إلا أن هنالك رمزية ثالثة طارئة تكمن في ظهور الطابور ضمن الفضاء البصري السوري، ولا سيما الافتراضي، من خلال صور ومقاطع فيديو بات يضجّ بها الإنترنت.
والطابور اسمٌ مأخوذٌ عن اللغة التركية (Tabur)، كان يُطلق على رتل مشاة، ومستوردٌ بدوره من اللغات الهندوأوروبية، إذ من معانيه أيضاً القافلة.
وفي السياق الإنساني، الطابور من بين التقنيّات الاجتماعية التي يُلجأ إليها حين يقتضي شحّ أحد الموارد تنظيمَ الحصول عليه عبر الاصطفاف وفق تراتبيّة توافقيّة بحسب أسبقيّة الوصول إليه.
فمن جهة، يُنتج الطابور نمطاً سلوكيّاً يجمع الناس بصفتهم أفراداً من دون هرميّة سوى تلك القائمة على أحقّية من يتقدّم الصف على من يتأخّره، ضماناً لتقاسمٍ سلميٍّ عادلٍ لكلٍّ من مكان الانتظار وزمانه، والمُنتظر نواله.
ومن جهةٍ أخرى، يخلق الطابور نمطاً تشكيليّاً لجماعةٍ تُعبّر عن ذاتها باشتراكها فيما تريد، فيصير الصفّ بمثابة مؤلَّفٍ جسديٍّ (Choreography) حاملٍ لرسائل بفحاوى عدّة: مطلبيّة مرتبطة بحاجة تموينيّة، ومدنيّة سياسيّة مثل مشهديّة الإقبال على نافذة تعاملٍ حكوميٍّ أو مركزٍ للاقتراع.
كما يُمكن للرسالة أيضاً أن تكون ثقافيّة إذا ما سعى الرتلُ من خلالها إلى توكيد هويّةٍ له تتمثّل بما اصطفّ من أجله.
ومن منظور المؤلَّف الجسدي، أو الكويروغرافيا البصريّة، يصبح بالإمكان عقدُ المشابهة بين الطابور والمقام الموسيقيّ؛ إذ ما الأخير سوى طابورٍ من نغمات، تفرّدت كلٌّ منها بلونها وذبذباتها الخاصة، وانتظمت وفق تسلسلٍ، لتكون لنغمة القرار الأوليّة وللجواب الآخِريّة، وبينهما اصطفّت باقي النغمات، كلٌّ بحسب اللاحقيّة، من غمّازٍ وحسّاسٍ ونغمة ارتكاز، ليعكس نمطُ تسلسلها هويّةً صوتيةً وشخصيّةً سمعيّةً تتميّز بها من سائر الأنماط الأخرى الممكنة.
وكما تتقاطع المقامات الموسيقيّة بنغماتها على اختلاف خواصّها الفردية، قد تقاطعت طوابير السوريين على اختلاف مشاربهم.
ففي زمن الثورة، ثم الحرب الأهليّة، وبلوغ العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلد الذروة في مأساوية تأثيرها على الشعب، أمست طوابير الانتظار على نوافذ توزيع الخبز، ومحطّات التزوّد بالوقود، وشاحنات توزيع جرار الغاز، بمثابة تظاهراتٍ جماهيرية، لم يُعفَ منها سوى حفنة من المتنفّذين والمنتفعين.
حينئذٍ، برز الطابور وسيلةً لضبط الأمن، كي لا يتحوّل الحصول على القوت إلى مقتلة، وسرى حظر تصويره تحت طائلة الغياب في سجون المزة وصيدنايا.
وبينما تستمر اليوم الطوابير التموينيّة بين الحين والآخر، والبلد لم يزل في طور التعافي البطيء والمتعثّر جرّاء عوامل داخليّة وخارجيّة، يبرز الطابور بوصفه وسيلة كويروغرافيّة بيد جماعةٍ تسعى إلى التعبير عن ذاتها وتوكيد حضورها في الفضاء العام.
يحدث هذا خصوصاً عندما يعمد منتسبو الجماعة إلى مطِّ طوابيرهم بتصويرها ورفعها وتداولها على منصّات التواصل الاجتماعي، ليصبح طول الطابور مؤشّراً على سعة الحضور.
يحدث ذلك في ظلّ عرضٍ معرفيٍّ خاص بالزمن الراهن يمكن تشخيصه بعمى التناسب التمثيلي؛ إذ مع تحيّزات لوغاريتمات السوشال ميديا لصالح المشاعر السلبية في طريقة تدوير الفيديوهات، وتبعثر جمهورها بين الداخل والشتات، فضلاً عن غياب استطلاعات رأي تُجرى على الأرض بمهنية ومصداقية، بات من العسير تقدير النسب التمثيلية لأيٍّ من أنماط المسلك والمعتقد المتشكّلة في سورية الجديدة.
لذا، تُسهم الطوابير، أونلاين، بتحميل المشهد السوري رسائلَ حبلى بالقراءات.
عبر عدسة كاميرات الجوالات، تجوب النيوز فيد منتجةً مرويّاتٍ متضاربةً عن اليوميات السورية، بعضها يُنشر بحذقٍ إعلاميٍّ ودأبٍ ممنهجٍ أو مرتجلٍ بقصد توجيه الإدراك العام، وبعضها ينتشر تلقائياً باجتماع ظرفَي الزمان والمكان.
فهنا، ومن أحد أجنحة معرض دمشق للكتاب، ثمة مقطعٌ متداولٌ لطابورٍ على قدرٍ من الطول استدعى استيفاؤه تسريعَ حركة الفيديو، يُظهر تقاطر المسارعين إلى تأمين نسخةٍ من أحد الكتب الدينية قبل نفادها.
وهناك، انطلاقاً من بهو دار الأوبرا عشيّة الاحتفال باليوم العالمي للجاز، طابورٌ ضمّ المئات من عشّاقه، امتدّ بمحاذاة مبنى المعهد العالي للموسيقى والفنون المسرحية، إلى أن وصل عتبة السور المُشرف على نهر بردى الجائش بفضل الأمطار الغزيرة، والجاري شرقاً صوبَ مركز المدينة.
يمكن للطوابير أن تتجاور ضمن الفضاء العام، من دون فضِّ جماعاتها لشراكتهم في الوطنفي ضوء فرصة انتعاشٍ أخرى تُعطى لسورية، مع بدء تقدّم العالم نحوها ببطءٍ وحذرٍ من بوابة الرعاية الثقافية، كتلك التي حظيت بها الشهر الماضي احتفالية دمشق بيوم الجاز، فإن الطوابير تُشير إلى حراكٍ شعبيٍّ مؤثّر بمشاعر السوريين المقيمين في كلٍّ من بلد المنشأ وبلدان المهجر.
ومثلما تتوافق المقامات الموسيقية أو تتنافر، سواء في مقطوعةٍ أو أغنية، على الرغم من حتميّة اشتراكها في النغمات والأجناس، يمكن للطوابير أيضاً أن تتجاور ضمن الفضاء العام، من دون فضِّ جماعاتها لشراكتهم في الوطن، شريطة ألا يتنمّر طابورٌ على طابورٍ بالطول، أو أن تُلصق بالطابور الآخر تُهمة الطابور الخامس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك