مسقط في 10 مايو 2026 /العُمانية/ نظم النادي الثقافي اليوم ندوة فكرية بعنوان" العقلانية الرشدية وما بعد الحداثة" بمشاركة الدكتور أحمد برقاوي، والدكتور سعود الزدجالي والدكتور شريف طوطاو، وذلك احتفاءً بمرور 900 عام على مولد الفيلسوف أبي الوليد محمد بن أحمد ابن رشد، أحد أبرز أعلام الفكر الفلسفي في الحضارة العربية والإسلامية.
وتناولت الندوة التي أدارها الكاتب محمد العجمي عدد من القضايا الفكرية المرتبطة بمشروع ابن رشد، وفي مقدمتها العلاقة بين الدين والفلسفة، ومنهج التأويل، وحضور العقلانية في الفكر الإسلامي، إلى جانب قراءة أثر ابن رشد في الثقافة الإنسانية والفكر الفلسفي المعاصر.
وقدّم البروفيسور أحمد برقاوي قراءةً نقديةً للمشروع الفلسفي لابن رشد، متوقفًا عند العلاقة بين الفلسفة والشرع، ومحاولة ابن رشد التوفيق بينهما في سياق تاريخي واجتماعي.
وأشار إلى أهمية فلسفة ابن رشد التي لا تكمن في استظهار أفكاره بقدر ما تكمن في إعادة قراءته وتحريره من الإشكالات التي ارتبطت بمحاولته" شرعنة الفلسفة".
وتناول برقاوي تقسيم ابن رشد للخطاب إلى الخطابي والجدلي والبرهاني، موضحًا أن الخطاب البرهاني يمثل أعلى درجات المعرفة العقلية، وأن ابن رشد كان يرى أن الوصول إلى الحقيقة يمر عبر العقل القائم على الاستدلال العقلي، لا عبر التصورات أو الخطابات.
وتطرق إلى مفهوم التأويل عند ابن رشد، مبينًا أنه كان مخصصًا لـ" الراسخين في العلم"، وأنه يقوم على إعادة فهم النصوص وفق مقتضيات البرهان العقلي، غير أن هذا المسار ـ وفق رؤيته ـ أعاد إنتاج الثنائية بين ظاهر النص وباطنه.
وأكد برقاوي أن استعادة ابن رشد اليوم ينبغي ألا تكون استعادةً تاريخيةً أو احتفالية، بل استعادةً للعقل النقدي، وللسؤال الفلسفي الحر.
فيما ركّز الدكتور سعود الزدجالي في مداخلته بعنوان" النص الديني في ضوء مناهج الفلسفة والكلام عند ابن رشد" على أهمية قراءة ابن رشد ضمن سياقه المعرفي والحضاري الإسلامي، متوقفًا عند القراءات" الإسقاطية" التي تحاكمه بمفاهيم فلسفية معاصرة بعيدة عن بيئته الفكرية والتاريخية.
وأشار إلى أن بعض القراءات الحديثة قدّمت تصورات متباينة حول ابن رشد، موضحًا أن اختلاف هذه القراءات يعود إلى اختلاف المفاهيم التي ينطلق منها الباحثون في تعريف الفلسفة والعقلانية، مؤكدًا أن ابن رشد لا يمكن فصله عن الحقول المعرفية الإسلامية التي انتمى إليها كونه فقيهًا وقاضيًا ومتكلّمًا وفيلسوفًا وشارحًا لأرسطو.
مبينًا أن ابن رشد قد تعامل مع قضايا العقيدة والكلام ضمن البنية المعرفية السائدة في التراث الإسلامي.
وتناول الزدجالي قضية" قدم العالم" كونها واحدة من الإشكاليات الجدلية المشتركة بين الفلسفة وعلم الكلام، مؤكدًا أنها لم تكن حكرًا على الفلاسفة، بل حضرت كذلك في نقاشات المتكلمين، مشيرًا إلى أن ابن رشد ناقش هذه القضايا ضمن أفق معرفي يرتبط بطبيعة البحث الكلامي في التراث الإسلامي.
كما أشار إلى أن ابن رشد لم يضع حدودًا فاصلة بصورة مطلقة بين الجدل والبرهان، إذ رأى أن الجدل قد يفضي أحيانًا إلى البرهان إذا صحت مقدماته، لافتًا إلى أن نقده لعلم الكلام كان اعتراضًا على ضعف بعض الأدلة الكلامية وعدم قدرتها على بلوغ اليقين البرهاني.
وبيّن أن ابن رشد في كتابه" فصل المقال" انطلق من سؤال شرعية النظر العقلي والفلسفي في الموجودات، مستندًا إلى النصوص الشرعية التي تدعو إلى التفكر والاعتبار، ومعتبرًا أن النظر العقلي يمثل وسيلة لفهم الموجودات واستنباط دلالاتها.
وأكد الزدجالي أن ابن رشد تعرّض لكثير من القراءات التي اختزلت مشروعه الفلسفي أو حمّلته تصورات لم يقل بها، داعيًا إلى إعادة قراءة نصوصه قراءةً موضوعية تنطلق من بنية التراث الإسلامي وأسئلته المعرفية، لا من إسقاطات فكرية معاصرة.
فيما يقدّم الدكتور شريف طوطاو مداخلة بعنوان" الغزالي مناظرًا لابن رشد: جدل القلب والعقل في الفلسفة الإسلامية"، متطرقًا إلى طبيعة السجال الفكري بين أبي حامد الغزالي وابن رشد، وما أثاره من أسئلة فلسفية ومعرفية في هذا السياق وما يتصل بالتراث الإسلامي.
الجدير بالذكر أن الندوة قد استحضرت المشروع الفكري لابن رشد كونه أحد أبرز المشاريع العقلانية في التراث العربي الإسلامي، وما يزال يثير أسئلة الفكر والحرية والتأويل في السياقات الثقافية المعاصرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك