العقبة – يضيء العالم، في السادس عشر من أيار (مايو) من كل عام، شمعة أمل للمتعايشين مع مرض" السيلياك" أو ما يُعرف بحساسية القمح، إذ يُخصص شهر مايو كاملا للتوعية بهذا المرض المناعي الذاتي الذي يهاجم الأمعاء الدقيقة بمجرد دخول مادة الغلوتين إلى النظام الغذائي.
اضافة اعلانوفي هذه المعادلة الطبية القاسية، لا توجد وصفات كيميائية أو أقراص دواء سحرية للشفاء، لتصبح القاعدة الإستراتيجية الوحيدة المتاحة هي أن الغذاء يمثل العلاج الأوحد.
ومما يزيد المشهد تعقيدا التساؤل الملح حول مصير هؤلاء المرضى عندما يتحول هذا الغذاء العلاجي إلى سلعة باهظة الثمن تفوق القدرة الشرائية للأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، لا سيما في محافظات الجنوب، وخاصة العقبة، التي تضم أكثر من ألفَي حالة مسجلة رسميا تعيش صراعا يوميا مريرا مع التهميش الطبي وغياب الدعم المؤسسي، في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة تتطلب تدخلا حكوميا عاجلا يعيد صياغة مفهوم الأمن الغذائي الصحي لهذه الشريحة الواسعة.
وتبدأ رحلة مريض السيلياك في الأردن عموما، وفي الجنوب خصوصا، بمعاناة التشخيص المبكر في ظل نقص الكوادر الطبية المتخصصة والمختبرات الدقيقة في مستشفيات الأطراف، لتنتهي هذه الرحلة بصدمة التكاليف المادية الباهظة التي تضع المريض أمام خيارات قاسية تتمثل في تحمل أعباء ميزانية ضخمة لتوفير حمية صارمة خالية من الغلوتين، أو الاستسلام لواقع الحال والتخلي عن هذه الحمية مُكرها، ليترك المريض جسده فريسة لمضاعفات طبية خطيرة تتراوح بين الهزال وسوء التغذية وصولا إلى احتمالات الإصابة بسرطان الأمعاء.
ومن جانبه، يؤكد استشاري أمراض الجهاز الهضمي والكبد في العقبة، الدكتور يزيد القرالة، أن التأخر في تشخيص حالات السيلياك في محافظات الجنوب يعود إلى تشابه الأعراض مع أمراض هضمية أخرى، إضافة إلى غياب المسح الطبي الشامل في المدارس، محذرا من أن التهاون في الالتزام بالحمية الغذائية الخالية من الغلوتين، نتيجة ارتفاع أسعار المنتجات البديلة، يشكل قنبلة صحية موقوتة ستكلف القطاع الصحي الحكومي أضعاف ما قد يُنفق لو تم توفير دعم مباشر لأسعار هذه السلع الأساسية.
وتتضاعف المأساة الإنسانية والاقتصادية في العائلات التي يطرق المرض أبوابها أكثر من مرة، إذ تسجل السجلات الطبية والاجتماعية وجود عائلات بأكملها تعاني من هذا الخلل المناعي، حيث تجد أسرة مكونة من أربعة أطفال وأب مصابين جميعا بالمرض نفسها أمام تحديات مالية تعجيزية.
فكيف لرب أسرة يعمل بدخل محدود أن يوفر ميزانية تتجاوز مئات الدنانير شهريا لشراء طحين خاص ومعكرونة وبسكويت خالية من الغلوتين، في ظل أزمات اقتصادية عالمية متلاحقة وموجات تضخم غير مسبوقة زادت حدتها مؤخرا مع تأثر سلاسل التوريد العالمية؟ ويشير الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الخصاونة إلى أن أسعار المنتجات الخالية من الغلوتين في السوق الأردنية ترتفع بنسبة كبيرة مقارنة بالمنتجات العادية، مرجعا ذلك إلى احتكار استيراد هذه المواد وغياب التصنيع المحلي، مما يجعل الأمن الغذائي لمرضى السيلياك مهددا بشكل مباشر ويضعف قدرتهم على الصمود في وجه هذه المتغيرات الاقتصادية العاصفة.
وبرزت في عام 2017 مبادرة أهلية شكلت طوق النجاة الوحيد لهذه الفئة، حيث أخذت مجموعة من السيدات الأردنيات في العقبة على عاتقهن حمل هذه الأمانة الثقيلة وتأسيس" جمعية الحياة لمرضى التحسس القمحي الخيرية"، لتكون الملاذ الآمن والمنصة الإستراتيجية التي تدافع عن حقوق هؤلاء المرضى.
وتبين رئيسة الجمعية بالوكالة، رنا المرافي، أن الجمعية تمثل الجهة الوحيدة التي ترعى هذه الفئة المهمشة في إقليم الجنوب بأسره، ساعية بكل ما أوتيت من إمكانات متواضعة إلى توفير الغذاء الآمن وتقديم النصح والإرشاد النفسي والطبي لما يقارب ألفَي مستفيد من مختلف الفئات العمرية، مشيرة إلى أن الجمعية تقف اليوم شبه عاجزة أمام التزايد المضطرد في أعداد المصابين والارتفاع الجنوني في أسعار المواد الأولية المستوردة.
وتؤكد الناشطة الاجتماعية فاطمة العبادي ضرورة تكاتف مؤسسات المجتمع المدني والشركات الكبرى العاملة في العقبة لتوفير مقر دائم ومجهز بأحدث التقنيات لجمعية الحياة، معتبرة أن الاستثمار في دعم مرضى السيلياك هو استثمار مباشر في التنمية البشرية والصحة المجتمعية.
ورغم قسوة الظروف المحيطة وشح الإمكانات المادية واللوجستية، انطلقت برامج التوعية والتثقيف لتجوب المدارس الحكومية والخاصة والجامعات والمراكز الشبابية في محافظات الجنوب على مدار العام، بهدف رفع مستوى الوعي المجتمعي بطبيعة المرض وكيفية التعامل مع المصابين به، لا سيما الأطفال الذين يتعرضون لضغوط نفسية كبيرة في بيئتهم المدرسية.
وحسب المرافي، تم تأسيس" المطبخ الإنتاجي" ليكون بمثابة مصنع أمل صغير لتوفير المواد الغذائية الآمنة، مقدما برامج تدريبية مجانية ومكثفة للسيدات والأمهات لتعليمهن أسرار وتقنيات تصنيع الغذاء الخالي من الغلوتين بأنفسهن داخل منازلهن، مما يسهم بشكل فعال في تقليص التكاليف المادية الباهظة ويضمن توفير وجبات صحية ومأمونة لأطفالهن بعيدا عن استغلال الأسواق وارتفاع أسعار المنتجات الجاهزة.
ونجحت العديد من الأمهات في تحويل معاناتهن اليومية مع مرض أبنائهن إلى طاقة إنتاجية إيجابية ومشاريع ريادية، مؤسساتٍ مشاريع منزلية واعدة لإنتاج وبيع الأطعمة والمخبوزات والحلويات الخالية من الغلوتين، ليصبحن بذلك رائدات أعمال يخدمن مجتمعهن المحلي ويوفرن مصادر دخل مستدامة لأسرهن تسهم في تحسين مستواهن المعيشي ومواجهة غلاء الأسعار.
وتبين أم يزن، وهي إحدى المستفيدات من برامج الجمعية، أن المطبخ الإنتاجي أضاء لها طريقا جديدا في الحياة، حيث تمكنت من إتقان صناعة الخبز والمعجنات لابنها المصاب، لتنطلق بعدها في مشروعها الخاص الذي أصبح يغطي احتياجات العديد من المرضى في حيها بأسعار رمزية ومدروسة، مؤكدة أن الإرادة القوية قادرة على تذليل الصعاب كافة وتحويل المحنة الصحية إلى فرصة حقيقية للنجاح والتميز وإثبات الذات في سوق العمل.
وتستعد جمعية الحياة، في احتفالها المركزي بمناسبة اليوم العالمي للسيلياك، لتنظيم حفل تكريم لهؤلاء الأمهات والسيدات الرائدات تحت لقب" أبطال السيلياك"، في خطوة تهدف إلى تسليط الضوء على قصص نجاحهن الاستثنائية في تحويل الألم إلى أمل، والمحنة إلى منحة.
ومع حلول اليوم العالمي للسيلياك، توجه جمعية الحياة والأمهات والمرضى نداء عاجلا إلى صناع القرار والجهات الحكومية والخاصة، يحمل رسالة إنسانية واضحة ومباشرة، يطالبون فيها فقط بحقهم في الحصول على غذاء آمن لا يؤذي أجسادهم ولا يستنزف مقدراتهم المالية.
.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك