يواجه لبنان في هذه المرحلة مخاطر وتحديات مصيرية أبرزها، هجوم إسرائيلي واسع يستهدفه من جنوبه إلى شماله، ويتسبّب بتدمير بلدات وقرى عديدة وتهجيرعشرات الآلاف من أهاليها، وارتفاع منسوب التحريض الطائفي، وتعميق الانقسام السياسي حول القضايا المصيرية، وعودة دعاة التقسيم إلى بث السموم، وازدياد حدّة الضائقة المعيشية، وتقصير السلطة الحاكمة في معالجة هذه المخاطر والتحديات، الأمر الذي يُنذر بتفجير فتنة أهلية تضع البلاد في حمأة صراع محموم على جبهتين: عدو إسرائيلي طامع من جهة، وعملاء ومتعاونون محليون معه مباشرةً أو مداورةً في الداخل من جهة أخرى.
بات من الضروري لمواجهة هذه المخاطر والتحديات أن تعقد القوى الوطنية النهضوية في ما بينها بلا إبطاء حوارات للتوافق على النهوض بخمس مهام مصيرية ذات أولوية مطلقة على النحو الآتي:أولاً: مواجهة الخطر الإسرائيلي التوسعي الماثل بالدفاع عن الوطن والشعب بكل الوسائل المتاحة وأهمها، المقاومة الميدانية والمقاومة المدنية.
وإذ تبدو المقاومة الميدانية ناشطة وناجحة على أرض الجنوب اللبناني بهمةِ حزب الله وحلفائه، وقادرة على منع السلطة الحاكمة من مفاوضة حكومة العدو قبل انسحابه من الأراضي اللبنانية المحتلة، وإعادة الأسرى ووقف العدوان، يتضح أن المقاومة المدنية، بما هي احتواء تداعيات الحرب وأضرارها الجسيمة، محدودة الفعالية ما يستدعي التعجيل في تطويرها، ولاسيما لجهة معالجة مفاعيل النزوح الأهلي الواسع، الذي بات يشمل معظم مناطق البلاد.
ثانياً: مواجهة خطر الانزلاق إلى فتنة أهلية بالابتعاد عن أساليب الملاكمة السياسية والهجاء الإعلامي، وذلك بالحرص على الحوار الرصين والهادف إلى بناء واعتماد قواسم مشتركة في شتى ميادين الحياة العامة.
لا يجوز خلال المفاوضات مع حكومة العدو الموافقة على عقد اتفاق سياسي معها، بل الاكتفاء بعقد اتفاق هدنة جديد يحلّ محل اتفاق الهدنة المعقود سنة 1949 بغية التقيّد بالحدود المعترف بها دولياً واحترام حكامهاثالثاً: إرساء استحقاق الإصلاح السياسي المطلوب، بالتركيز على ضرورة تنفيذ أحكام الدستور بعدما جرى تعديله سنة 1990 بتضمينه إصلاحات وثيقة الوفاق الوطني في الطائف، لاسيما لجهة إلغاء الطائفية السياسية، ووضع قانون للانتخابات العامة يؤمّن صحة التمثيل الشعبي وعدالته.
رابعاً: التعجيل بتنفيذ برنامج مكثّف للإعمار، باستخدام ما يمتلكه لبنان حالياً من موارد وأرصدة، وقبول العون الإقتصادي والمساعدات المالية من مؤسسات الأمم المتحدة والدول والهيئات الصديقة على ألاّ تكون مشروطة.
خامساً: تنظيم وتوسيع وتنسيق عمل القوى الوطنية، من خلال جبهة سياسية ببرنامج مرحلي متطور للإصلاح السياسي والاقتصادي، ولمواجهة تحديات الصراع الوجودي ضد العدو الصهيوني، وللتوافق على خطة متكاملة للدفاع الوطني قوامها جيش نظامي وحرس شعبي مكتملا التسليح من شتى المصادر المتاحة.
صحيح أن مؤتمراً وطنياً جرى عقده في 29 نيسان/أبريل 2026 ضمّ حضوراً مشاركاً من شتى الأوساط الوطنية السياسية والمهنية، وأصدر نتيجة مناقشاته بياناً يتضمن أهدافاً ومطالب تحاكي ما أدليتُ به وغيري كثر من أفكار وتوصيات، إلاّ أنه يتوجب فوق ذلك أن يُصار إلى مواجهة ما يستجد خلال مسار المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة من تحديات وحساسيات وأفخاخ ومعالجتها تالياً باعتماد الضوابط الآتية:لا تفاوض مباشرا بين الحكومة اللبنانية وحكومة العدو الإسرائيلي، إلاّ بعد انسحاب قواتها وأجهزتها تماماً من كل الأراضي اللبنانية المحتلة، وإعادة الأسرى، وعودة أهالي الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية إلى بلداتهم وقراهم، وإقرار حكومة العدو بالتزامها قراراً من مجلس الأمن الدولي بهذا الشأن.
لا يجوز خلال المفاوضات مع حكومة العدو الموافقة على عقد اتفاق سياسي معها، بل الاكتفاء بعقد اتفاق هدنة جديد يحلّ محل اتفاق الهدنة المعقود سنة 1949 وذلك بغية التقيّد بالحدود المعترف بها دولياً واحترام حكامها.
(جـ) لا يجوز تضمين اتفاق الهدنة الجديد أيّ نصّ يتعلّق بحلّ تنظيمات المقاومة، أو بنزع أسلحتها لكون ذلك أمراً يتعلّق بسيادة الدولة اللبنانية ويعود لها وحدها حق البتّ به.
(د) وجوب تضمين أيّ بيان للتوافق الوطني بين القوى السياسية اللبنانية قبل بدء المفاوضات او بعدها نصّاً يقضي بوضع خطة متكاملة للدفاع الوطني تتضمن الحق بتسليح الجيش اللبناني من جميع المصادر المتاحة، كما يتضمن وضع تشريع لتنظيم حرس شعبي من المتطوعين يكون رديفاً للجيش اللبناني ولقوى الأمن الداخلي في حماية أمن المواطنين ومؤسسات الحياة العامة، على ان يجري تحريكه واستخدامه عند الحاجة بقرار من مجلس الوزراء، أو من مجالس المحافظات ذات الصلة.
إضافة إلى ذلك، يقتضي تنظيم حملة سياسية وطنية واسعة لتنفيذ أحكام الدستور، لاسيما تلك التي باتت تتضمن الإصلاحات المنصوص عليها في اتفاق الطائف، بموجب التعديل الدستوري سنة 1990.
كما يقتضي القيام بنشاط جدّي لبناء جبهة الخلاص الوطني (المشار إليها آنفاً ) قوامها القوى الوطنية الحيّة من أحزاب ونقابات وتيارات وشخصيات قيادية سياسية وثقافية، كي تتولى العمل بكل الوسائل المشروعة لدعم الوحدة الوطنية، والحؤول دون تفجير فتنة أهلية، ولتنفيذ المبادئ والضوابط الأربعة آنفة الذكر، كما من أجل تأليف وتوجيه حكومة وطنية جامعة تُجري انتخابات عامة يكون من شأنها فتح صفحة جديدة في نظام لبنان السياسي.
ولعله يُستحسن أيضاً البدء بتنفيذ هذه المبادئ والضوابط، من خلال لجنة متابعة وطنية موسّعة تنبثق من المؤتمر الوطني الذي إنعقد في 29 أبريل 2026 واللقاء التشاوري المنعقد في بيروت بدعوة من المؤتمر الشعبي اللبناني بتاريخ 8 أيار/مايو 2026.
ألا تستاهل هذه الأفكار مناقشة هادئة وهادفة في هذين المؤتمرين الناشطين في مختلف ميادين الشأن الوطني العام وإحالة، توصياتهما إلى لجنة المتابعة الوطنية الموسّعة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك