ترى هل كان من شأن الصحافية الفرنسية فرانسواز جيرو أن تعتقد للحظة، حين أطلقت على تيار الأفلام التي أنتجها أبناء مجلة" كراسات السينما"، الذي ولد في باريس أواسط خمسينيات القرن الـ20، اسم" الموجة الجديدة" على سبيل المزاح والمناكفة، أن ذلك الاسم سيصبح اللقب الرسمي للتيار ويعيش عقوداً وعقوداً بعد ذلك إلى درجة أن يتحول إلى عنوان لفيلم هوليوودي يحكي تاريخ التيار نفسه، وكيف ولد، بل أكثر من ذلك: كيف أثّر على تاريخ السينما العالمية وحتى على بعض كبار الكبار في هوليوود؟ والسينمائيون، النقاد بالأحرى، الشبان الذين كانوا فرانسوا تروفو، وجان لوك غودار، وإيريك رومر، وجاك ريفيت، وكلود شابرول، وغيرهم عشية تلك المرحلة، هل خيّل لهم يوماً أحين تحولوا إلى مخرجين ومؤلفين عبر ذلك التيار نفسه، أن هوليوود التي انتفضوا أصلاً ضدها ولو عبر تحيتهم للنخبويين من مبدعيها، سوف تخصهم بذلك التكريم ذات يوم؟يقيناً أن لا فرانسواز جيرو توقعت ذلك، ولا السينمائيون الفرنسيون الشبان الذين كانوا متعلقين من حول مجلة" كراسات السينما" حلموا به.
كل شيء حدث وكأنه حلم غرائبي، ثم صار جزءاً من تاريخ يروى وكأنه حكايات جنّ.
واليوم في غياب أولئك" الشبان" وقد رحلوا واحداً بعد الآخر، باتت الحكاية كلها تاريخاً يحكى ويحاكم بل يدان وتدور من حوله سجالات وسجالات.
والحقيقة أنه لئن كانت" الموجة الجديدة" وأفلامها باتت غائبة اليوم عن عالم الإنتاج السينمائي في وطن المنشأ، فإنها لا تحتاج إلى مناسبة خاصة لتستعاد ليس فقط كذكرى، بل كذلك كجزء حي من تاريخ لا يمكن لأحد إنكار استمراره وليس في حاضر السينما الفرنسية وحدها.
ومع ذلك لم يخلُ الأمر من مناسبة تلفزيونية - سينمائية أيقظت الجمهور النخبوي ولكن العريض بعض الشيء أيضاً، على هذه المفخرة السينمائية المنتمية إلى المنتجات الكمالية الفرنسية اليوم مثل ماركات" شانيل"، و" بيجو"، و" نبيذ بوردو"، وروايات" فرانسواز ساغان"، وكتاب" الجنس الآخر" لسيمون دي بوفوار.
ولم تكن المناسبة سوى عرض فيلم عنوانه بالتحديد" موجة جديدة" من إخراج الأميركي الهوليوودي ريتشارد لينكليتر على شاشة تلفزيونية فرنسية بعد أقل من عام على عروضه في الصالات.
والطريف أن هذا العرض الذي يتزامن مع استذكار مرور 70 سنة على ولادة أول فيلم سينمائي ينتمي إلى الموجة الجديدة، لم يفته أن يحرك السجالات القديمة وكأن الولادة كانت قبل أيام فقط! ومع ذلك لا شك أن مخرج الفيلم وكاتبه، بالنظر إلى أنه هو الآخر ينتمي اليوم إلى مبادئ" سينما المؤلف" التي أطلقها الفرنسي فرانسوا تروفو لتنبني سينما الموجة الجديدة على أساسها، لا شك أن لينكليتر إنما أراد في الأصل توجيه تحية عبر الفيلم إلى التيار الذي حدد له علاقته بالسينما هو نفسه، لا أن يستعيد سجالات لم يعبأ بها فيلمه أصلاً.
ولكن ما العمل والفرنسيون هم الفرنسيون الذين لا يروقهم أبداً أن" يتطفل" أجنبي على ما يخصهم حتى ولو أعلن نفسه فرانكوفونياً وحدثهم بلغتهم، وكلمهم عن تاريخهم؟ !إذاً، حتى لمناسبة عرض" موجة جديدة" الأميركي على الشاشة الصغيرة الفرنسية، انقسم النقاد الفرنسيون، وربما بأكثر مما فعلوا قبل عام لمناسبة عروضه السينمائية، بين محبذين ومنددين، بيد أن هذا الانقسام لم يسر إلى حد كبير على الجمهور بحسب ما تردد من أخبار لاحقة للعرض.
فالجمهور استقبل بترحاب شديد تلك الدقائق الـ100 التي راحت تروي لهم حكاية يبدو أنهم كانوا قد نسوها، عن جمع من شبان يعشقون السينما وقرروا من حول مجلة نقدية تجمعهم، أن ينتفضوا على ما ينتج في بلادهم منها ولو عبر اتباع نمط إنتاج أميركي ليس هوليوودياً تماماً، ولو أنه ولد بدوره في هوليوود، لكن فيلم لينكليتر نفسه أتى في حقيقة الأمر هوليوودياً إنما على الأسلوب الجديد الحرّ الذي تمعن عاصمة السينما العالمية في ابتكاره، وذلك منذ سنوات الـ70 حين أطلقه" أصحاب اللحى" من المشاكسين على هوليوود، ولم يتردد ناطقون باسمهم يحملون أسماء مارتن سكورسيزي وفرانسيس فورد كوبولا وستيفن سبيلبرغ عن إعلان انتمائهم إلى" الموجة الجديدة" نفسها.
أفلا تكون الدائرة قد اكتملت على هذا النحو؟ بالتأكيد إن نحن تذكرنا أن هذا الفيلم نفسه قد جعل مخرجه وكاتبه ينال جائزة" سيزار" لأفضل فيلم في العام الفائت.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)غير أن هذا الفوز بالذات هو الذي، كما يبدو، لم يرق لنقاد رأوا أن في فيلم لينكليتر مغالاة وخروجاً عن تقييمات تاريخية مألوفة وربما أيضاً تأليهاً لواحد من المخرجين على حساب الآخرين، وبالتحديد جان لوك غودار الذي لا يخفي لينكليتر أبداً تبجيله سينماه وتعظيمه دوره في الحداثة السينمائية على المستوى العالمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك