عمان - في وقت يترقب فيه العالم القمة المرتقبة بين الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأميركي دونالد ترامب في بكين يومي 15 و16 أيار (مايو)، يبرز الانفتاح الصيني تجاه واشنطن كإشارة سياسية محكومة بالحذر، أكثر من كونه تحولا إستراتيجيا حاسما.
اضافة اعلانفوفق تحليلات خبراء في الشأن السياسي والإستراتيجي، أكدوا في تصريحات لـ" الغد"، أن هذا التقارب يعكس إدراكا متبادلا لدى بكين وواشنطن بارتفاع تكلفة التصعيد في ظل تشابك ملفات تايوان ومضيق هرمز والتجارة والتكنولوجيا، ما يدفع نحو إدارة الخلاف بدل تفجيره، بهدف حماية الاستقرار العالمي في مرحلة شديدة التعقيد.
ولا يبدو الانفتاح الصيني تجاه الولايات المتحدة، مقدمة لإعادة صياغة جذرية للعلاقات، بل خطوة تكتيكية ضمن إدارة صراع طويل ومعقد، تحكمه حسابات القوة والنفوذ بقدر ما تحكمه ضرورات الاقتصاد والاستقرار العالمي، وفق المختصين.
كما لفتت مؤشرات الخبراء إلى أن ما يجري هو تفاهم مرحلي يفرضه ضغط المصالح الاقتصادية وسلاسل التوريد والطاقة، وليس إعادة ضبط شاملة للعلاقة بين القوتين العظميين، إذ ما تزال جذور الصراع مرتبطة بالهيمنة والنفوذ وإعادة تشكيل النظام الدولي.
وتأتي هذه القمة بعد تأجيلها في آذار (مارس) الماضي جراء تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لتكون بذلك أول زيارة دولة لرئيس أميركي إلى الصين منذ العام 2017.
علاقة محورية لاقتصاد العالمفي سياق ما يمكن أن تحمله القمة المرتقبة بين الرئيسين الصيني شي جين بينغ والأميركي دونالد ترامب من رسائل سياسية واقتصادية، أكد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الألمانية الأردنية د.
بدر الماضي، أن العلاقة بين الدولتين تعد محورية ليس فقط بالنسبة لهما، بل للاقتصاد العالمي واستقرار الأسواق العالمية، وكذلك للاستقرار السياسي الدولي.
وقال الماضي إن هذه الزيارة تأتي بعد مرحلة طويلة من الأخذ والرد بين إدارة ترامب والإدارة الصينية، في ظل سعي متكرر من بكين للوصول إلى رؤية اقتصادية موحدة مع الولايات المتحدة، رغم استمرار النظرة الأميركية إلى الصين باعتبارها قوة مهددة أكثر من كونها شريكا يمكن أن يسهم في استقرار المشهد السياسي العالمي.
وأضاف أن هذه الزيارة تندرج ضمن سياق العلاقات الممتدة والمعقدة بين البلدين، وهي علاقات تتسم بدرجة عالية من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، مشيرا إلى أن القمة ربما تفتح الباب أمام تفاهمات مهمة تتعلق بملفات اقتصادية شائكة شكلت خلال السنوات الماضية عائقا أمام تطوير العلاقة بين البلدين، كما قد تشهد توافقا حول بعض السياسات العامة المرتبطة بالاقتصاد العالمي.
وأوضح أن أهمية القمة في هذا التوقيت ترتبط أيضا بمحاولة الولايات المتحدة الخروج من حالة التأزم المرتبطة بالحرب مع إيران، لافتا إلى أن الصين قد تؤدي دورا محوريا في هذا الاتجاه من خلال قدرتها على التأثير في السلوك الإيراني، وهو ما يمنحها مساحة مهمة للحضور في التوازنات السياسية الحالية.
ولفت الماضي إلى وقوف العالم اليوم أمام مرحلة جديدة من إعادة ربط العلاقة بين الصين والولايات المتحدة، وهي مرحلة قد تسهم في تعزيز الاستقرار السياسي العالمي إذا نجح الطرفان في الوصول إلى تفاهمات حول عدد من الملفات الاقتصادية والجيوسياسية، بما فيها مضيق هرمز وإيران، ومستقبل العلاقة الثنائية بين القوتين العظميين.
وأكد أن الصين لا ترغب في الانخراط المباشر في الصراعات الدولية الحالية، بل تركز بصورة اساسية على تطوير مشروعها الاقتصادي العالمي، باعتباره الأداة التي قد تمكنها مستقبلا من فرض شروطها وتأثيرها على السياسة العالمية، وهو ما يفسر حرصها على الحفاظ على قدر من التفاهم مع الولايات المتحدة رغم استمرار التنافس بينهما.
في ظل التحركات الدبلوماسية المتسارعة بين بكين وواشنطن قبيل القمة المرتقبة بين الرئيسين وما تثيره من تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين القوتين العظميين، أكد رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د.
خالد شنيكات، أن الانفتاح الصيني تجاه الإدارة الأميركية، يأتي في سياق محاولة مدروسة من بكين وواشنطن لإدارة حالة الاشتباك السياسي والاقتصادي والعسكري بين القوتين العظميين، خاصة في ظل تصاعد التوترات الدولية وتشابك ملفات النفوذ والطاقة والتجارة والأمن الدولي.
وقال شنيكات إن هذا الانفتاح لا يمكن فصله عن طبيعة المرحلة الحالية التي تشهد ضغوطا متزايدة على الاقتصاد العالمي، إلى جانب المخاوف من انزلاق المنافسة الإستراتيجية بين البلدين نحو مستويات أكثر خطورة قد تؤثر على الاستقرار الدولي برمته.
وأضاف شنيكات أن الطرفين يدركان أن استمرار التصعيد دون وجود قنوات تفاهم مباشرة قد يقود إلى أزمات يصعب احتواؤها، لا سيما في ظل الملفات الحساسة المرتبطة بتايوان وبحر الصين الجنوبي ومضيق هرمز، إضافة إلى الصراع على التكنولوجيا وسلاسل التوريد والتنافس على قيادة النظام الدولي.
وأوضح أن الانفتاح الصيني يحمل في جانب منه رسالة سياسية؛ مفادها أن بكين ما تزال تفضل إدارة الخلافات عبر الحوار والتفاوض بدلا من الذهاب نحو المواجهة المفتوحة.
وبين أن الصين تسعى من خلال هذا الانفتاح إلى حماية مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية، خصوصا في ظل التحديات الاقتصادية الداخلية والتباطؤ الذي يشهده الاقتصاد العالمي، حيث تدرك بكين أن أي تصعيد كبير مع الولايات المتحدة سينعكس سلبا على حركة التجارة والاستثمار وأسواق الطاقة.
كما أشار إلى أن الإدارة الأميركية بدورها معنية بتخفيف حدة التوتر مع الصين في هذه المرحلة، نظرا لحساسية الملفات الدولية الراهنة وحاجة واشنطن إلى الحفاظ على قدر من الاستقرار في العلاقات مع القوى الكبرى.
وشدد شنيكات على أن الحديث عن إعادة ضبط شاملة للعلاقات بين البلدين ما يزال مبكرا، لأن جذور الخلاف الإستراتيجي بين واشنطن وبكين أعمق من أن تعالج عبر قمة سياسية أو تفاهمات ظرفية.
وقال إن هناك تنافسا بنيويا يتعلق بمكانة كل طرف في النظام الدولي وبموازين القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، وهو ما يجعل العلاقة بينهما محكومة بمنطق التعاون الحذر والتنافس المستمر في آن واحد.
ولفت إلى أن ما يجري حاليا، قد يكون أقرب إلى تفاهم مرحلي تفرضه تعقيدات المرحلة الدولية أكثر من كونه تحولا إستراتيجيا كاملا في طبيعة العلاقات بين القوتين.
وتابع أن ملفات التجارة وتايوان وأمن الممرات البحرية والطاقة والتوازنات الدولية ما تزال تشكل نقاط اشتباك رئيسة، وقد تعود للتصعيد في أي لحظة إذا تغيرت الحسابات السياسية أو الإستراتيجية لدى أي من الطرفين.
وجدد شنيكات تأكيده على أهمية القمة المرتقبة، مشيرا إلى أنها قد تسهم في تخفيف حدة التوتر، وفتح المجال أمام تفاهمات جزئية حول بعض القضايا الخلافية، لكنها على الأرجح لن تنهي حالة التنافس الإستراتيجي بين البلدين، لأن العالم يتجه نحو مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوى الدولية، وهو ما يجعل العلاقة بين الطرفين مرشحة للاستمرار ضمن معادلة تجمع بين التعاون المحدود والصراع على النفوذ العالمي.
وفي ظل التحركات السياسية والدبلوماسية المتسارعة بين بكين وواشنطن قبيل القمة، وما تثيره من تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين القوتين العظميين وإمكانية احتواء التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، رأى الخبير الأمني والإستراتيجي د.
بشير الدعجة، أن العالم لا يقف أمام مصافحة دبلوماسية عابرة أو مجرد تهدئة مؤقتة بين قوتين عظميين، بل أمام لحظة دولية حساسة تحاول فيها واشنطن وبكين إعادة هندسة قواعد الاشتباك السياسي والاقتصادي والعسكري بينهما.
وقال الدعجة: إن العلاقة بين الطرفين تجاوزت منذ سنوات إطار الخلاف التجاري التقليدي، وتحولت إلى صراع شامل على قيادة النظام الدولي الجديد، يمتد من الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى النفوذ العسكري والممرات البحرية والأمن السيبراني والتحالفات الدولية.
وأضاف أن الصين تدخل هذه القمة وهي تمتلك ثاني أكبر اقتصاد عالمي بإجمالي ناتج محلي يتجاوز 18 تريليون دولار، وتمثل ما يقارب 18 % من الاقتصاد العالمي، كما أنها الشريك التجاري الأول لأكثر من 120 دولة حول العالم.
وبين أن حجم التبادل التجاري بين الصين والولايات المتحدة تجاوز خلال السنوات الماضية مئات المليارات من الدولارات سنويا رغم العقوبات والحروب التجارية والتوترات السياسية، وهو ما يكشف حجم الترابط المعقد بين القوتين، فهما خصمان إستراتيجيان لكنهما في الوقت ذاته شريكان اقتصاديان لا يستطيع أي منهما فك الارتباط الكامل بالآخر دون دفع أثمان عالمية هائلة.
وأشار إلى أن القراءة المتأنية للمشهد تكشف عن أن الصين لا تتحرك فقط بدافع تهدئة التوتر مع الولايات المتحدة، بل بدافع حماية مشروعها الإستراتيجي الأكبر المتمثل في التحول إلى القوة الاقتصادية الأولى عالميا خلال العقود المقبلة.
وتابع الدعجة أن بكين تدرك أن استمرار حالة التصعيد المفتوح مع واشنطن قد يؤدي إلى تسريع عمليات فك الارتباط الاقتصادي التي بدأت بعض الدول الغربية العمل عليها تدريجيا، سواء عبر نقل المصانع وسلاسل التوريد إلى دول أخرى أو تقليص الاعتماد على السوق الصينية في الصناعات الحساسة والتكنولوجيا المتقدمة، وهو ما يمثل تهديدا طويل الأمد للاقتصاد الصيني الذي يعتمد بصورة كبيرة على التصدير والتصنيع والاستثمار الخارجي.
وأوضح أن الصين تسعى من خلال هذا الانفتاح السياسي إلى كسب الوقت الإستراتيجي، وهي سياسة عرفت بها القيادة الصينية تاريخيا، حيث تدرك بكين أن عامل الزمن يعمل نسبيا لصالحها في ظل التغيرات الاقتصادية العالمية والتحولات الديموغرافية وتراجع بعض مظاهر النفوذ الغربي التقليدي.
وبين أن الصين تفضل إدارة الصراع بهدوء وتجنب الصدام المباشر إلى حين تعزيز قدراتها العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية بشكل أكبر، خصوصا في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والطاقة المتجددة والصناعات الدقيقة.
وأكد أن الولايات المتحدة تدرك في المقابل أن الصين لم تعد مجرد قوة اقتصادية صاعدة يمكن احتواؤها بسهولة، بل أصبحت منافسا إستراتيجيا يمتلك قدرات صناعية وتقنية وعسكرية متسارعة.
وأوضح أن الصين تمتلك اليوم أكبر قوة بحرية عددية في العالم من حيث عدد القطع البحرية، كما تستثمر سنويا مئات المليارات في مشاريع الذكاء الاصطناعي والفضاء والتكنولوجيا العسكرية، إضافة إلى قيادتها مشاريع اقتصادية عملاقة مثل الحزام والطريق الذي امتد إلى عشرات الدول والموانئ والممرات التجارية حول العالم، وهو ما تعتبره واشنطن تهديدا مباشرا لنفوذها التقليدي وهيمنتها العالمية.
ولفت الدعجة إلى أن واشنطن نفسها لا تبدو موحدة بالكامل تجاه كيفية التعامل مع الصين، فهناك تيار أميركي متشدد يرى أن بكين أصبحت التهديد الأول للأمن القومي الأميركي، ويدفع باتجاه مزيد من العقوبات والضغوط العسكرية والاقتصادية، في حين يحذر تيار آخر داخل من أن سياسة التصعيد المفرط قد تدفع الصين إلى تحالفات أوسع مع قوى منافسة للغرب، خصوصا روسيا وإيران وبعض القوى الآسيوية الصاعدة، الأمر الذي قد يخلق نظاما دوليا أكثر تعقيدا وأقل خضوعا للنفوذ الأميركي التقليدي.
وأوضح أن الملف التكنولوجي بات يمثل أخطر ساحات الصراع بين الجانبين، لأن الولايات المتحدة تدرك أن المعركة القادمة لن تحسم فقط بالصواريخ وحاملات الطائرات، بل بمن يمتلك التفوق في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والحوسبة الفائقة والاتصالات والفضاء السيبراني.
وقال الدعجة: إن واشنطن فرضت خلال السنوات الماضية قيودا صارمة على تصدير الرقائق الإلكترونية المتقدمة والتكنولوجيا الحساسة إلى الصين في محاولة لإبطاء تقدمها التقني، بينما ضخت بكين عشرات المليارات من الدولارات لدعم صناعاتها الوطنية وتقليل اعتمادها على الغرب.
وشدد على أن الطرفين يدركان حقيقة بالغة الخطورة تتمثل في أن أي مواجهة مباشرة بينهما لن تكون حربا تقليدية محدودة، بل زلزالا اقتصاديا وأمنيا عالميا قد يؤدي إلى انهيارات مالية وارتفاعات حادة في أسعار الطاقة والغذاء واضطراب سلاسل التوريد الدولية.
وقال إن الصين تعد أكبر مصنع في العالم، فيما ما تزال الولايات المتحدة القوة المالية والعسكرية الأولى عالميا، وأي صدام مباشر بينهما يعني اهتزاز الاقتصاد العالمي بأكمله.
ومن هنا، رأى الدعجة أن الانفتاح الصيني الأخير تجاه الإدارة الأميركية يعكس براغماتية شديدة من جانب بكين التي تحاول تخفيف الضغوط الاقتصادية التي تعرضت لها خلال الأعوام الماضية، خصوصا في ظل تباطؤ بعض القطاعات الصناعية والعقارية وتراجع معدلات النمو مقارنة بالعقد الماضي.
وزاد أن الصين تدرك أن استمرار التوتر مع واشنطن بالتزامن مع الأزمات الدولية الحالية قد يفتح عليها جبهات اقتصادية وإستراتيجية معقدة في توقيت حساس.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تبدو هي الأخرى بحاجة إلى تهدئة محسوبة مع الصين، في ظل الاستنزاف المالي والإستراتيجي الناتج عن تعدد بؤر التوتر العالمية، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى اضطرابات الشرق الأوسط والتنافس في بحر الصين الجنوبي، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية الداخلية وارتفاع الدين الأميركي إلى مستويات قياسية.
وقال إن الإدارة الأميركية تدرك أن فتح مواجهة شاملة مع بكين في هذا التوقيت قد يكون مكلفا سياسيا واقتصاديا وعسكريا.
وأكد الدعجة أن ملف تايوان يمثل أحد أخطر محاور الصراع بين الجانبين، فالصين تعتبر الجزيرة خطا أحمر سياديا لا يقبل المساومة أو التفاوض، بينما تنظر الولايات المتحدة إلى تايوان باعتبارها حجر الزاوية في إستراتيجيتها العسكرية بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وأضاف أن تايوان تنتج ما يزيد على 60 % من أشباه الموصلات المتقدمة في العالم، وهي صناعة تمثل عصب الاقتصاد الرقمي والعسكري الحديث، ولذلك فإن أي توتر حول الجزيرة لا يهدد الأمن الآسيوي فقط، بل يهدد الصناعات العالمية والاقتصاد الدولي بأسره.
وفيما يتعلق بمضيق هرمز، أوضح الدعجة أن هذا الملف بات جزءا أساسيا من الحسابات الصينية الأميركية، لأن قرابة خمس النفط العالمي يمر عبر هذا المضيق الحيوي يوميا، فيما تعد الصين من أكبر المستوردين للنفط الخليجي، ما يعني أن أي اضطراب أمني في المنطقة سينعكس مباشرة على الاقتصاد الصيني والصناعة العالمية.
وأوضح أن بكين أصبحت أكثر انخراطا في ملفات الشرق الأوسط سياسيا ودبلوماسيا وحتى أمنيا بشكل غير مباشر، إدراكا منها أن أمن الطاقة لم يعد قضية اقتصادية فقط، بل مسألة أمن قومي واستقرار إستراتيجي.
كما أشار إلى أن الصين تعمل بهدوء على تقليل نقاط ضعفها الإستراتيجية في ملف الطاقة، لأنها تدرك أن اعتمادها الكبير على الممرات البحرية الخاضعة جزئيا للنفوذ الأميركي يمثل ثغرة أمنية خطيرة.
وقال إن بكين توسعت في إنشاء موانئ وممرات تجارية وخطوط نقل برية وبحرية ضمن مشروع الحزام والطريق، كما رفعت احتياطاتها الإستراتيجية من النفط والغاز بشكل ملحوظ، تحسبا لأي اضطرابات أو عقوبات مستقبلية.
وأضاف الدعجة أن الصين تحاول تقديم نفسها للعالم بوصفها قوة استقرار دولي وليست قوة فوضى وصدام، ولذلك كثفت تحركاتها الدبلوماسية في مناطق النزاع والتوتر سواء في الشرق الأوسط أو إفريقيا أو آسيا.
وأوضح أن بكين تدرك أن صورتها الدولية باتت عنصرا مهما في معركة النفوذ العالمي، فكلما ظهرت بمظهر الدولة العقلانية الداعية للحوار والتسويات ازدادت قدرتها على اختراق مناطق النفوذ التقليدي الأميركي وكسب شركاء جدد في النظام الدولي.
وعلى المستوى العسكري، أكد الدعجة أن المؤشرات الدولية تظهر أن الصين تواصل تحديث جيشها بوتيرة متسارعة، حيث ارتفعت ميزانيتها الدفاعية بشكل كبير خلال العقدين الأخيرين، وأصبحت تمتلك قدرات متطورة في مجالات الصواريخ فرط الصوتية والحرب الإلكترونية والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية، وهو ما يثير قلقا متزايدا لدى البنتاغون وحلفاء واشنطن في آسيا، خصوصا أن العقيدة العسكرية الصينية الحالية تقوم على منع القوات الأميركية من فرض هيمنة كاملة في محيطها الإقليمي.
كما لفت إلى حضور البعد العسكري بقوة في هذا التقارب الحذر، خاصة مع تصاعد المناورات العسكرية الصينية قرب تايوان بالتوازي مع تعزيز الوجود العسكري الأميركي في المحيط الهادئ وعقد تحالفات أمنية وعسكرية جديدة، وهو ما جعل احتمالات الخطأ العسكري أو الاحتكاك البحري أكثر خطورة من أي وقت مضى.
وقال إن القمة المرتقبة تبدو محاولة لتثبيت قواعد منع الانفجار وليس لإنهاء الصراع.
وأكد الدعجة أن الاقتصاد العالمي لم يعد يحتمل صداما طويلا بين العملاقين، فالتقديرات الاقتصادية تشير إلى أن أي مواجهة كبرى بين واشنطن وبكين قد تتسبب بخسائر تقدر بتريليونات الدولارات، مع ارتفاع معدلات التضخم عالميا وتعطل التجارة الدولية واضطراب أسواق المال والطاقة والغذاء.
وأضاف أن كثيرا من القوى الدولية الكبرى، بما فيها دول أوروبية وآسيوية، تدفع بصمت نحو تخفيف التوتر بين الجانبين، خوفا من تداعيات أي انفجار جيوسياسي واسع.
واعتبر الدعجة أن أخطر ما في المشهد الحالي أن الصراع لم يعد فقط بين دولتين، بل بين نموذجين عالميين متنافسين، النموذج الأميركي القائم على الهيمنة الغربية التقليدية، والنموذج الصيني الذي يسعى لإعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية والسياسية عالميا؛ ولذلك فإن أي تفاهمات مرتقبة ستبقى محكومة بمنطق إدارة التنافس لا إنهائه.
وأضاف أن القمة المرتقبة قد تنتج تفاهمات محدودة حول إدارة الأزمات وفتح قنوات التواصل العسكري والتجاري ومنع الاحتكاك المباشر، لكنها لن تنهي حالة الشك المتبادل العميقة بين الطرفين، لأن جذور الصراع تتعلق بمن يقود العالم خلال القرن الحادي والعشرين، وهذا النوع من الصراعات التاريخية لا يحسم بابتسامات سياسية أو بيانات دبلوماسية مؤقتة.
وأشار كذلك إلى أن الحرب النفسية والإعلامية بين الجانبين أصبحت جزءا أساسيا من المشهد، حيث يحاول كل طرف إظهار نفسه أمام العالم وأمام شعبه باعتباره الطرف الأقوى والأكثر قدرة على فرض شروطه، ولذلك فإن كثيرا من الرسائل السياسية المتبادلة قبل القمة لا تقرأ فقط في إطار العلاقات الثنائية، بل أيضًا في إطار معركة الهيبة الدولية وصورة القوة والردع.
وشدد الدعجة على أن المؤشرات الواقعية تؤكد أن بكين وواشنطن تتجهان نحو مرحلة يمكن وصفها بالتعايش القلق، فلا الصين قادرة حاليا على إزاحة الولايات المتحدة من صدارة النظام العالمي بشكل كامل، ولا واشنطن قادرة على وقف الصعود الصيني المتسارع رغم العقوبات والحصار التكنولوجي والتحالفات العسكرية.
وبين أن العالم سيدخل مرحلة طويلة من التنافس المركب الذي يجمع بين التعاون الاقتصادي والصراع الجيوسياسي في آن واحد، مؤكدا أن الانفتاح الصيني تجاه الإدارة الأميركية لا يمكن وصفه بأنه تحول جذري نحو شراكة إستراتيجية دائمة، بل هو أقرب إلى هدنة سياسية واقتصادية مؤقتة فرضتها تعقيدات المشهد الدولي وتشابك المصالح وحسابات القوة والردع، فيما يبقى جوهر الصراع الحقيقي بين القوتين قائما ويتعمق بهدوء تحت سطح الدبلوماسية والابتسامات السياسية، في وقت يدرك فيه العالم أن أي خطأ في إدارة هذا الصراع قد يغير شكل النظام الدولي لعقود مقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك