تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي للعام الثالث تعنّتها في منع سفر الحجّاج وحرمان الغزّيين من حصتهم المشروعة بالحج، في مخالفة صريحة للمواثيق والأعراف الدولية والإنسانية التي تكفل حرية التنقل والعبادة، وذلك وسط استمرار إغلاق المعابر، وعدم وجود ممرّ آمن أو حتى ضمانات لخروج الحجاج وعودتهم.
يُحرم أهالي قطاع غزة للعام الثالث من أداء فريضة الحج، في مشهدٍ يعكس حجم العزلة القسرية التي فرضتها الحرب الإسرائيلية المتواصلة على القطاع، بعدما أغلقت المعابر وشلّت حركة السفر بشكل شبه كامل، لتتحوّل أُمنية الوصول إلى مكة المكرّمة حلماً مؤجلاً لدى آلاف الغزّيين، ولا سيّما كبار السنّ والمرضى الذين كانوا ينتظرون دورهم منذ أعوامٍ طويلة.
وبينما تتوافد قوافل الحجاج من مختلف دول العالم إلى الديار الحجازية، يقف سكان غزة خلف الحدود المُغلقة، عاجزين حتى عن الوصول إلى المعابر، في واحدة من أقسى صور الحرمان التي يعيشها أهالي القطاع منذ بدء حرب الإبادة الجماعية في أكتوبر/تشرين الأول 2023، سواء على الصعيد الإنساني أو الديني.
ووفق النظام المُتعارف عليه في توزيع حصص الحج، تمنح المملكة العربية السعودية كل دولة ألف فرصة حجّ مقابل كل مليون نسمة، ما يمنح فلسطين سنوياً أكثر من ستة آلاف فرصة حجّ.
كانت حصة قطاع غزة منها تقارب 2500 حاجّ سنوياً وأكثر، إلا أن هذه الحصة تعطلت فعلياً منذ اندلاع الحرب، بسبب استمرار إغلاق معبر رفح والمعابر الأخرى، وعدم وجود ممرّ آمن لخروج الحجاج وعودتهم.
ويعيش آلاف المواطنين في غزة حالة من الحسرة مع كلّ موسم حج يمرّ من دون أن يتمكّنوا من أداء الركن الخامس من أركان الإسلام، خصوصاً أنّ كثيرين منهم أمضوا سنوات طويلة في التسجيل وانتظار دورهم ضمن كشوفات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية، وتحوّلت ملابس الإحرام والحقائب التي جهّزها البعض مسبقاً إلى مقتنياتٍ معلقة داخل الخيام ومراكز النزوح، بينما رحل واستشهد عددٌ من كبار السنّ خلال الحرب من دون أن تتحقق أمنيتهم في أداء المناسك التي انتظروها طويلاً.
وخلال الأعوام الماضية، نظّمت جمعية أصحاب شركات الحجّ والعمرة في قطاع غزة عدداً من الوقفات التضامنية والفعاليات الشعبية للمطالبة بتمكين حجّاج القطاع من السفر إلى الأراضي المقدسة في المملكة العربية السعودية، في ظل استمرار إغلاق المعابر وتأزم الأوضاع الإنسانية.
وقد شارك في تلك الوقفات أصحاب شركات الحج والعمرة وحجّاج كانوا قد استكملوا إجراءات التسجيل والسداد، إلى جانب عائلات تنتظر منذ أعوامٍ فرصة أداء الفريضة، إذ طالب المشاركون بتحييد موسم الحجّ عن الأزمات السياسية والعسكرية، والسماح للحجّاج بالسفر أسوةً بباقي المسلمين حول العالم.
وفي إطار هذه الفعاليات، ناشدت الجمعية المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية والإنسانية من أجل التدخل العاجل لتأمين خروج حجّاج قطاع غزة وضمان عودتهم بسلام، مؤكدةً أنّ حرمان آلاف المواطنين من أداء مناسك الحجّ للعام الثالث يمثل انتهاكاً للحقوق الدينية والإنسانية الأساسية.
كما دعت الجهات المعنية إلى فتح ممرات آمنة وتوفير ضمانات دولية تكفل حرية الحركة للحجّاج، بعيداً عن مخاطر الحرب والإغلاق، مشيرةً إلى أن كثيرين من كبار السنّ والمرضى يخشون ضياع فرصة العمر في ظل استمرار الظروف الراهنة وتعطل إمكانية السفر.
في السياق ذاته، يؤكد رئيس جمعية أصحاب شركات الحج والعمرة في قطاع غزة محمد الأسطل أنّ الجمعية عملت على مدى ثلاثة أعوام متواصلة من أجل تمكين حجّاج القطاع من الخروج لأداء فريضة الحج، إلا أنّ الاحتلال يواصل" تعنّته الواضح" في منع سفر الحجّاج، في مخالفة صريحة للمواثيق والأعراف الدولية والإنسانية التي تكفل حرية التنقل وحرية العبادة.
ويوضح الأسطل لـ" العربي الجديد" أنّ الاحتلال حرم أهالي قطاع غزة من أداء فريضة الحجّ للعام الثالث، رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها الجمعية والجهات المعنية لتأمين سفرهم، مشدّداً على أن الجمعية تسعى دائماً إلى تثبيت حق أهالي القطاع في حرية الحركة والتنقل والسفر، سواء لأداء الشعائر الدينية أو للعلاج أو الدراسة أو أيّ أغراض إنسانية أخرى، باعتبارها حقوقاً كفلتها القوانين والمواثيق الدولية.
وفي ما يتعلق بالتحركات الرامية إلى معالجة القضية، يشير الأسطل إلى أنّ الجمعية وجّهت رسائل رسمية عدّة إلى جهات فلسطينية ودولية، من بينها رسالة إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وإلى اللجنة الإدارية لقطاع غزة التي نقلت بدورها رسالة إلى الممثل السامي لغزة في" مجلس السلام" نيكولاي ملادينوف الذي شغل سابقاً منصب المنسّق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط.
كما خاطبت الجمعية المؤسسات الحكومية والحقوقية للضغط من أجل توسيع عمل معبر رفح وتسهيل حركة السفر، إلا أن كلّ هذه المحاولات باءت بالفشل، ولم تتمكن الجمعية من إخراج الحجّاج، وفق قوله.
ويؤكد الأسطل أن الجمعية كانت حريصة على الحصول على ضمانات واضحة تتيح عودة الحجاج إلى قطاع غزة بعد انتهاء مناسك الحج.
ويضيف: " كنا نستطيع الضغط من أجل سفرهم، لكنّنا لم نكن نملك أيّ ضمانات حقيقية تضمن عودتهم سالمين إلى أرض الوطن.
فنحن لا نطالب فقط بحق السفر، إنما أيضاً بتثبيت حقّ الخروج والعودة، والحفاظ على حقوق واستحقاقات أبناء شعبنا".
ويدعو الأسطل المؤسسات الحقوقية والدولية إلى التحرك الجاد من أجل تمكين أهالي قطاع غزة من حرية التنقل والعبادة، باعتبارها حقوقاً إنسانية أساسية تكفلها القوانين الدولية، موضحاً أن" حصة دولة فلسطين من الحجّ تبلغ 6800 حاج سنوياً، فيما تبلغ حصة قطاع غزة 2580 حاجاً، وفق البروتوكول المعتمد في المملكة العربية السعودية، والذي يتيح حجّ ألف شخص سنوياً عن كل مليون نسمة".
من جانبه، يقول المواطن السبعيني أبو محمد الغلاييني إنّه أمضى سنواتٍ عدّة ينتظر موعده لأداء فريضة الحجّ، وكان يترقب كلّ موسم بأمل كبير أن يتمكن أخيراً من الوصول إلى مكة المكرّمة، إلا أنّ تداعيات الحرب وإغلاق المعابر حرمته للعام الثالث من تحقيق حلمه.
ويلفت لـ" العربي الجديد" إلى أن تقدّمه في العمر وتدهور وضعه الصحي يجعلان خوفه أكبر من أن يرحل عن الدنيا قبل أن يؤدي الفريضة، مشيراً إلى أنّه كان قد جهّز ملابس الإحرام، وودّع أبناءه على أمل السفر، قبل أن تتوقف كلّ الترتيبات بسبب استمرار العدوان الإسرائيلي وإغلاق المعابر.
ولم تحرم الحرب الغزّيين فقط من السفر، بل سلبتهم أيضاً الاستقرار والقدرة على التخطيط للحياة، إذ إنّ معظم العائلات اليوم منشغلة بتأمين الغذاء والماء والدواء والنجاة من القصف، في وقتٍ تلاشت فيه الطقوس التي كانت ترافق مواسم الحجّ داخل القطاع، من وداع الحجّاج والتجمعات العائلية وحتى الدروس الدينية التي كانت تسبق السفر.
وبات موسم الحج بالنسبة لسكان غزة موسماً لاستحضار الفقد والحرمان أكثر من كونه مناسبة روحانية مبهجة.
بدوره، يقول الفلسطيني أبو العبد مسعود (68 عاماً) لـ" العربي الجديد" إنّه سجّل للحج منذ أعوامٍ طويلة، وكان ينتظر دوره بفارغ الصبر، خصوصاً بعد أن تقدّم به العمر، وبات يشعر أنّ الوقت لم يعد في صالحه.
ويبيّن أن الحرب سلبت الغزّيين كل شيء، حتى حقهم في التوجّه إلى الأراضي المقدسة، وأن كثيراً من كبار السنّ في غزة يعيشون حالة من الحزن والانكسار مع كلّ موسم حج، مضيفاً أنّ بعض أصدقائه الذين كانوا ينتظرون الحج توفّوا خلال الحرب، ما يجعله يتمسك بالدعاء يومياً بأن تفتح المعابر، ويتمكن من أداء الفريضة قبل فوات الأوان.
وأدّى استمرار إغلاق المعابر وتعقيد إجراءات السفر إلى استثناء كلّ سكان قطاع غزة من قوائم الحج، واقتصرت إمكانية السفر في بعض المواسم على أعداد محدودة من الغزّيين الموجودين خارج القطاع، ولا سيّما في مصر.
ويؤكد مواطنون أنّ الحرب لم تدمّر البيوت والبنية التحتية فقط، بل حرمتهم أيضاً من أبسط حقوقهم الإنسانية والدينية.
نزحت الحاجّة أم خالد صبح من منزلها شمالي قطاع غزة بسبب حرب الإبادة الجماعية، وتقول لـ" العربي الجديد" إنّ أمنيتها الوحيدة كانت أن تزور بيت الله الحرام قبل وفاتها، لكنها اليوم تعيش داخل خيمة، وتصارع ظروف النزوح والجوع والخوف بدلاً من الاستعداد للحج.
وتوضح أم خالد، المسنّة الفلسطينية، أنّها كانت قبل الحرب تتابع أسماء الحجّاج كل عام بلهفةٍ كبيرة، وكانت تدّخر المال القليل الذي تحصل عليه من أبنائها على أمل أداء الفريضة، إلا أنّ الإغلاق المستمر للمعابر جعل حلمها بعيد المنال، مضيفةً أنّ أكثر ما يؤلمها هو مشاهدة الحجّاج عبر شاشات التلفاز، بينما يبقى سكان غزة محرومين من حقهم في العبادة والتنقل.
ويرى مراقبون أن حرمان سكان غزة من الحجّ للعام الثالث يحمل أبعاداً إنسانية ودينية قاسية، إذ لم يعد المنع مرتبطاً بإجراءات تنظيمية أو لوجستية، بل بواقع حرب وحصار جعل أكثر من مليونَي شخص معزولين عن العالم الخارجي.
ومع اقتراب كلّ موسم حج، تتجدّد آمال الغزّيين بفتح المعابر، ولو استثنائياً، للسماح لهم بأداء المناسك، غير أنّ استمرار الحرب يُبقي تلك الآمال معلّقة، وسط واقعٍ إنساني هو الأكثر قسوة في التاريخ الحديث لقطاع غزة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك