تلقيت بعض التفاعل بعد نشر مقال الأسبوع الماضي بخصوص إدارة العقارات، وهذا ما شجعني للتطرق مجددًا والغوص في الجانب الخفي الذي لا يظهر عادة خلف واجهات البنايات والمحلات.
فغالبية من يدخلون عالم العقار لأول مرة، يعتقدون أن مسألة الشراء والتأجير بسيطة تنتهي بدخل شهري مستقر بعد تكملة إجراءات البيع.
لكن الواقع مختلف تمامًا، فالعقار ليس مجرد مبنى، بل منظومة تشغيلية تحتاج إلى متابعة وصبر وقرارات يومية لا تتوقف، وأحيانًا تكون الإدارة أصعب من رحلة البحث والشراء أو البناء نفسها.
ولعل أكثر ما يكتشفه بعض الملاك عند بداية دخولهم عالم الاستثمار العقاري، أن العائد لا يأتي دائمًا بسهولة التي كانوا يتصورونها.
فمع مرور الوقت تبدأ التفاصيل بالظهور؛ مستأجر يتأخر في السداد، أعطال مفاجئة، شكاوى متكررة، التزامات تشغيلية، ومصاريف لا تنتهي.
وهنا يظهر الجانب الخفي الذي لا نراه في الإعلانات العقارية أو حسابات العائدات النظرية.
إن إدارة العقار تتعقد أحيانًا لدرجة أن بعض الملاك يفضلون بقاء الوحدات خالية لتفادي الدخول في دوامة الإدارة المتعبة وملاحقة التحصيل، والتي تنتهي بعضها في أروقة المحاكم والملاحقات القانونية.
فبعض التجارب تترك أثرًا مرهقًا، خاصة عندما تتراكم المديونيات ويصبح تحصيلها معقدًا وطويلًا.
ولا يخفى أن محاكم التنفيذ اليوم مليئة بملفات تتعلق بإيجارات ومستحقات يصعب تحصيلها، خصوصًا مع التغيرات الأخيرة التي أعادت تنظيم بعض إجراءات الحبس ومنع السفر.
لكن رغم كل ذلك، ما زلت أرى الجانب الإيجابي في الاستثمار العقاري الذي يصل في بعض الأحيان إلى قرابة 10 % في أفضل الأحوال، والتي تتطلب التعامل معه بعقلية أكثر احترافية.
فالإدارة الناجحة أصبحت عنصرًا أساسيًّا في نجاح أي عقار، وربما أهم من الموقع أحيانًا.
ولهذا، بدأت شريحة كبيرة من الملاك تتجه إلى الاستعانة بشركات متخصصة لإدارة العقارات، تتولى التحصيل والمتابعة والصيانة والتعامل مع المستأجرين بطريقة أكثر تنظيمًا وحيادية.
كما أن التحقق من المستأجر قبل التعاقد، واللجوء إلى مكاتب عقارية معروفة وذات سمعة جيدة، قد يوفر على المالك الكثير من المتاعب مستقبلًا.
وفي النهاية، يبقى العقار من أكثر القطاعات استقرارًا على المدى الطويل، خصوصًا لمن يديره بعقلية استثمارية احترافية لا بعقلية العائد السريع.
فالعقار الناجح ليس فقط ما يُبنى جيدًا، بل ما يُدار بحكمة واتزان وبشكل منظم يضمن الدخل المستدام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك