في سقطةٍ كاشفة أنتجتها منصّات الإعلام السوري الناشئة فوق أنقاض المنظومة الإعلامية لنظام الأسد، التي تحمل (في حالات كثيرة)، في بنيتها اللغوية والإدراكية، ميراثاً كثيفاً من معجم الكراهية الموروث من الأسديِّين، جاء ذلك التقرير السامّ ضدّ الفلسطينيين في سورية بوصفه أكثر من زلة تحريرية عابرة.
لم يكن مجرّد انزلاق لغوي، بقدر ما كان تجلّياً لبنية وعي تتشكّل ضمن طبقة جديدة من الفاعلين الإعلاميين، وتزداد خطورة هذه الفئة من الإعلاميين حين نعلم أنّهم يتلقّون تمويلهم من المال العام، لأنّ التمويل هنا لا يُغذّي خطاب الكراهية فحسب، وإنّما يمنحه أيضاً شرعية التداول.
وفي داخل هذا الوعي الناشئ تجري إعادة ترتيب العالم وفق آلية ذهنية تصنّف البشر داخل سلّم قيميّ مُضمَر، فتغدو الهُويّة مادّةً كافيةً لإنتاج الحكم، وتحتلّ مركز الرؤية بأكملها.
وهذه في حقيقتها ممارسة معرفية تنطلق من افتراض راسخ يرى الإنسان قابلاً للقراءة والاستهداف بسبب هُويّته مهما كان رأيه.
وعند هذه العتبة تحديداً يتكوّن خطاب الكراهية، ويصبح الانتماء أداةَ تفسير نهائية بوصفه حكماً سابقاً على الرأي ذاته.
لم يعد خطاب الكراهية حادثةً معزولةً في سجال سياسي محدّد، بقدر ما صار مناخاً ذهنياً يعيد توزيع الشبهة على الجماعات وفق إرثها الرمزي السابق على تاريخ الثورة السورية.
فالفلسطيني السوريّ يُستدعى بوصفه ضيفاً مؤيّداً، وكأنّ عقود الحياة المشتركة الممتدّة في سورية لم تنتج حقّاً أخلاقياً في الكلام، وكأنّ العذابات والتضحيات في سنوات الثورة لم تمنح الفلسطيني موقع الشريك في الألم والحقّ في التعبير عن الوطن الذي ضحّى من أجله كبقية السوريين.
الكردي من جهته يُقرأ داخل سردية جاهزة تُلحق هُويّته بمشروع انفصاليّ، فتُختزل حياة أجيال كاملة من الحرمان زمن النظام السابق في تصوّر تهديد أمني موروث.
والعلوي، بحسب هذا الخطاب، لا يمكن سوى أن يكون جزءاً من سلطة الأسد، ويُعامل بوصفه امتداداً لآلة القتل، مهما كانت مسافته الشخصية منها، ومهما دفع من ثمن في مقاومتها.
أمّا الدرزي، فيرى وتُعمَّم عليه أيضاً صفةُ الخيانة.
وهكذا، في كلّ حالة تعمل الآلية نفسها، وهكذا يتحوّل المجتمع إلى أرشيف مفتوح للاتهام المتبادل، تتراكم فيه الهُويّات فوق البشر ثقلاً وجودياً، ويغدو الأصل والجماعة أداةَ تفسير جاهزة.
في محاولة لتفسير طبيعة العنف الحديث، كتبت حنة أرندت أنّ الشرّ لا يأتي دائماً من الوحشية الصريحة، بقدر ما يأتي من اعتياد الإنسان على تعليق حكمه الأخلاقي وتسليم وعيه إلى قوالب جاهزة.
وهذا ما يجعل خطاب الكراهية خطراً لا في قدرته على إنتاج العنف فحسب، وإنّما في قدرته الأعمق على تحويل العنف إلى أمر عادي، إلى ممارسة ذهنية مألوفة لا تثير ارتياباً أخلاقياً.
هنا تبدأ المأساة الحقيقية: حين يصبح اختزال الإنسان في هُويّته فعلاً يومياً لا يُرى بوصفه ظلماً.
الكراهية تنتصر حين يصبح الانتماء كافياً لإصدار الحكم.
في تلك اللحظة يفقد المجتمع القدرة على رؤية الإنسان بوصفه إنساناً، ويبدأ النظر إليه بوصفه ملفّاً تاريخياً مفتوحاً على الاتهام.
المجتمع الذي يجعل الهُويّة معياراً للحكم يفقد القدرة على إنتاج فضاء سياسي قابل للحياة المشتركة.
في هذه البنية تفقد العدالة معناها، وفي هذا المناخ تتآكل الثقة الاجتماعية على مهل، ويتحوّل المجال العامّ إلى شبكة كثيفة من الريبة، تعيش الجماعات في داخلها في حالة من الشكّ والاتهامات المتبادلة، ويبقى الصراع بانتظار ظرف جديد للانفجار.
خطاب الكراهية يمنح صاحبه راحة معرفية رخيصة، فالعالم المعقّد يصبح بسيطاً، والشرّ يصبح محدّداً، والمسؤولية تصبح جاهزة التوزيع.
الكراهية توفّر تفسيراً سريعاً للفوضى، ولهذا تنتشر بسهولة في المجتمعات المُنهكة.
إنّها آلية نفسية قائمة على اختصار الواقع بدل مواجهة تعقيد السياسة، فتُختزَل المشاكل كلّها في جماعة قابلة للاتهام.
هذا الاختصار يمنح شعوراً مؤقّتاً بالسيطرة، لكنّه يدمّر القدرة الجماعية على الفهم الحقيقي.
الوطن في معناه العميق ليس جغرافيا مشتركة، إنّه صيغة اعتراف متبادل بقيمة الفرد خارج شروط الهُويّة الموروثة.
وحين ينهار هذا الاعتراف، تتصدّع فكرة الوطن من الداخل؛ يبقى المجتمع، ويبقى البشر متجاورين، لكنّ النسيج العميق يتحلّل إلى طبقات من العداء الصامت.
عند هذه النقطة لا تحتاج الحرب إلى رصاص؛ يكفيها مخزون ذاكرة مشحونة ولغة كراهية جاهزة تنتظر لحظة الفعل، والمجتمع المثقل بهذا الفائض من الأحكام الهُويّاتية يعيش دائماً فوق أرض قابلة للاشتعال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك