في خطوة وصفها مراقبون بأنّها في غير محلّها، تجمّع عشرات الليبيين أمام مقرّ المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بمنطقة السراج في العاصمة طرابلس، مطالبين بإغلاق مكتب الوكالة رفضاً لـ" توطين" المهاجرين في ليبيا.
وكان المجلس الاجتماعي لمنطقة السراج، حيث مقرّ المفوضية الأممية، قد دعا إلى تنظيم هذه الوقفة الاحتجاجية، اليوم الخميس، من أجل مطالبتها بالخروج من ليبيا وقد اتّهمها بالعمل من أجل توطين المهاجرين غير النظاميين الموجودين في البلاد.
وكان مجلس النواب الليبي قد دعا، أوّل من أمس الثلاثاء، كلّ مؤسسات الدولة بضرورة التصدّي لأيّ مشروع يهدف إلى توطين المهاجرين غير النظاميين في البلاد.
أتى ذلك بالتزامن مع تأكيد وزارة الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا رفضها توطين المهاجرين، ومع الدعوات الأخيرة التي أُطلقت لتنظيم وقفات احتجاجية في العاصمة طرابلس.
يُذكر أنّ وزير الهجرة اليوناني ثانوس بليفريس كان قد أفاد، قبل أقلّ من شهر، بأنّ أكثر من نصف مليون مهاجر ولاجئ (نحو 550 ألفاً) ينتظرون في ليبيا حالياً من أجل توفّر فرصة لوصولهم إلى أوروبا.
وقد أضاف، بحسب ما نقلت وكالة" بلومبيرغ" للأنباء، أنّ أثينا تنسّق في الوقت الراهن مع وكالة فرونتكس ومع السلطات الليبية من أجل مكافحة عصابات تهريب البشر، ورصد قوارب الهجرة غير النظامية قبل إبحارها، ومنع تحرّكها من الساحل الليبي.
وأشار رئيس المجلس الاجتماعي لمنطقة السراج عادل الفكحال إلى سلميّة التظاهرة الاحتجاجية اليوم، مؤكداً لـ" العربي الجديد" أنّ المجلس، منذ إصداره الدعوة إلى التظاهر أمام مقرّ المفوضية مطلع الأسبوع الجاري، دعا المحتجين إلى" الالتزم بالهدوء" وإلى" عدم الانجرار ورفض أيّ تصريحات قد تُخرج التظاهرة عن مسارها وهدفها الحقيقي".
وأوضح الفكحال أنّ التظاهرة" لا تهدف إلى رفض العمل الإنساني المنظّم" للمهاجرين، " لكنّنا نرفض استغلال تلك الاحتياجات الإنسانية على حساب الشعب الليبي، لنصل إلى مرحلة يصير فيها للمهاجر حقّ التوطّن".
أضاف أنّ" مطلبنا الوحيد الآن هو خروج المفوضية من بلادنا بعدما ظهرت شبهات في عملها تؤشّر إلى التوطين".
ومنذ صباح اليوم الخميس، راحت توفّر قوات جهاز الأمن الدبلوماسي في ليبيا وفرقة من وزارة الداخلية مكلّفة أمن مقرّ المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في طرابلس، تحسّباً لأيّ أعمال قد تلحق أضراراً بمقرّ الوكالة.
وبعد الدعوة التي أطلقها المجلس الاجتماعي للسراج من أجل الاحتجاج، أعلن عدد من الناشطين الليبيين تبنّيهم ذلك، وبدورها دعت مجالس بلدية في طرابلس إلى المشاركة في التحرّك.
وكان المجلس الاجتماعي للسراج قد أصدر بياناً، يوم السبت الماضي، كشف فيه عن تلقّيه إفادات من عدد من الصيدليات والمحال التجارية بالمنطقة تشير إلى تواصل جهات مرتبطة بالمفوضية معها بشأن ترتيبات لتقديم أدوية وخدمات لعدد من حاملي بطاقات اللجوء، الأمر الذي أثار حالة من الجدال والتساؤلات بين سكان المنطقة.
ودعا المجلس أصحاب الصيدليات والمحال التجارية إلى" التريّث وعدم الانخراط" في أيّ برامج أو ترتيبات قد تُفهَم أنّها تشجيع على الإقامة المخالفة للقانون أو تسهم في زيادة الأعباء والتحديات التي تواجه المنطقة، وذلك إلى حين صدور توضيحات رسمية من الجهات المختصّة.
وشدّد على أهمية إعلان أيّ برامج أو ترتيبات تُنفَّذ في المنطقة بصورة" رسمية وشفافة"، وبما يراعي مصالح السكان ويحافظ على النظام العام، مبيّناً أنّ أيّ تجاوزات أو مخالفات قد تُرصَد سوف تُحال على الجهات المختصّة لاتّخاذ الإجراءات اللازمة بحقّها وفقاً للقانون.
وتزامنت هذه المواقف مع تداول صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تسجيلات مصوّرة تُظهر تجمّعات وطوابير مهاجرين أمام مقرّ المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بمنطقة السراج، في انتظار الحصول على مساعدات وخدمات تقدّمها الوكالة الأممية، الأمر الذي أسهم في تصاعد الجدال بشأن طبيعة أنشطتها في ليبيا وآليات عملها فيها.
من جهته، رأى المحامي والناشط الحقوقي إبراهيم الناجح أنّ الدعوة إلى إخراج المفوضية من مقرّها" لا تبدو مناسبة ولا قانونية"، موضحاً لـ" العربي الجديد" أنّها" موجودة في مقرّها هذا منذ عام 2002 وفقاً لاتّفاق مع اللجنة الشعبية العامة (الحكومة وقتها)، وإخراجها يعني تعدياً على الاتّفاقيات التي توقّعها الدولة".
وبشأن مخاوف المواطنين من أن تكون" بطاقة اللاجئ" طريقاً لتوطين المهاجرين، قال الناجح إنّها بطاقة" تمنحها المفوضية، بالتنسيق مع الجانب الليبي، لعدد محدود من الجنسيات وفقاً للاتّفاق نفسه، بوصفها إجراءً مؤقّتاً لتوطين في دولة ثالثة، ليبيا ليست واحدة منها، ومنح البطاقة يعني رفض ليبيا فكرة توطين هؤلاء".
لكنّ الناجح لفت إلى أنّ هذا" لا يعفي المفوضية من (ضرورة اعتماد) الشفافية في توضيح التزامها بمنح بطاقات اللجوء للجنسيات المحدّدة وفقاً للاتفاقيات، ثمّ الكشف عمّا أنجزته لتنفيذ ما نصّ عليه اتّفاقها مع الجانب الليبي من إجلاء للمهاجرين إلى بلد ثالث؛ هل التزمت به أم لا؟ ".
وتابع: " لا أعتقد أنّها التزمت به، فهي تسجّل المهاجرين كيفما اتّفق ومنحهم بطاقات لجوء، خصوصاً أنّ المهاجر لا يملك أوراقاً ثبوتية تؤكّد أنّه من إحدى الجنسيات المحدّدة في الاتّفاق".
وفي حين لم يصدر أيّ بيان رسمي أو موقف عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حتى الآن، عبّرت جهات عديدة في ليبيا عن رفضها توطين المهاجرين غير النظاميين على الأراضي الليبية.
فقد أصدرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي في حكومة الوحدة الوطنية، مساء الاثنين الماضي، بياناً أكدت فيه رفضها" توطين المهاجرين غير القانونيين في ليبيا" وتمسّكها بـ" الثوابت الوطنية للتصدّي للظاهرة"، مشيرةً إلى أنّه موقف الحكومة الذي عبّرت عنه في مناسبات كثيرة.
وأفادت الوزارة بأنّها تتابع ما يجري تداوله بشأن مخاوف مرتبطة بتزايد تدفّقات الهجرة غير النظامية، محذّرةً من" الشائعات والدعوات التحريضية" التي قد تؤدّي إلى تداعيات لا تخدم المصلحة الوطنية، وداعيةً المواطنين إلى" تحرّي الدقة" في تداول المعلومات.
كذلك شدّدت على" احترام حرمة مقار البعثات الدبلوماسية وسلامة موظفيها"، لافتةً إلى ضرورة التعبير السلمي عن الرأي في إطار القانون، مع تجديد التزامها بحماية الأمن القومي الليبي واحترام التزامات البلاد الدولية.
في الإطار نفسه، طالب مجلس النواب، في بيان أصدره ليل الاثنين الماضي، كلّ الجهات التنفيذية والإدارية والرقابية والأمنية بالتصدّي لـ" أيّ إجراءات أو ترتيبات يمكن أن تُفسَّر أو تُستغَلّ" بوصفها" تمهيداً أو غطاءً لأيّ مشروع يستهدف توطين المهاجرين والأجانب أو إحداث تغيير ديمغرافي في البلاد".
وشدّد المجلس على رفضه" أيّ مشاريع أو سياسات أو تفاهمات، معلَنةً كانت أم غير معلنة، من شأنها أن تؤدّي بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الإسكان أو التوطين أو المساس بالتركيبة السكانية للدولة"، مؤكداً أنّ" ليبيا لن تكون ساحة لتصدير الأزمات أو مخزناً لتداعيات السياسات الدولية والإقليمية".
بدوره، أصدر المجلس الأعلى للدولة - ليبيا رفضه" القاطع لأيّ مشاريع أو ترتيبات أو تفاهمات من شأنها أن تؤدّي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى توطين المهاجرين في داخل ليبيا أو إعادة توطينهم"، مشدّداً على أنّ" أيّ إجراءات تمسّ التركيبة السكانية أو الهوية الوطنية للمجتمع الليبي مرفوضة تحت أيّ مسمّى أو ذريعة".
ودعا المؤسسات الوطنية المختصة والشركاء الدوليين إلى دعم جهود الدولة الليبية في مكافحة الهجرة غير النظامية وشبكات تهريب المهاجرين والاتّجار بالبشر، والعمل على معالجة الأسباب الجذرية لهذه الظاهرة، بما يتوافق مع القوانين الوطنية ويحترم إرادة الدولة الليبية وسيادتها.
إلى جانب ذلك، أعلنت الحكومة المكلّفة من مجلس النواب في بنغازي اتّخاذ حزمة من الإجراءات القانونية والأمنية لمكافحة توطين الأجانب والهجرة غير النظامية، مؤكدةً أنّ مواجهة هذه الظاهرة" تمثّل قضية سيادية وأولوية وطنية عليا ترتبط بحماية الأمن القومي والحفاظ على الهوية الوطنية والتركيبة السكانية للبلاد".
ووجّهت الحكومة عدداً من الأجهزة الأمنية إلى الشروع فوراً في تنفيذ قرار مجلس النواب بمنع توطين الأجانب، والقرارات الأخرى الخاصة بتنظيم دخول الأجانب وإقامتهم في ليبيا وخروجهم منها.
وتواجه ليبيا منذ سنوات ضغوطاً متزايدة من جرّاء تدفّقات المهاجرين الوافدين عبر حدودها الجنوبية الممتدّة مع عدد من دول الساحل والصحراء، في رحلات غير نظامية، وانتقالهم نحو المدن الساحلية ونقاط الانطلاق صوب أوروبا.
ووفقاً لأحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة، رُصد أكثر من 939 ألف مهاجر في نهاية عام 2025.
ويؤكد مسؤولون ليبيون أنّ البلاد تمثّل دولة عبور وهي ليست دولة مصدر للهجرة، مشدّدين على أنّ الأزمة ترتبط بموقع ليبيا الجغرافي وضعف الرقابة على بعض المسارات الحدودية وتفاقم الأوضاع الأمنية والاقتصادية في عدد من دول الجوار الأفريقي.
ويتجدّد الجدال منذ أكثر من سنتَين، بين الحين والآخر، بشأن ما تتضمّنه أخبار متداوَلة حول توطين المهاجرين غير النظاميين في ليبيا، وهو أمر يثير في كلّ مرّة موجة استياء واسعة النطاق في البلاد تتخلّلها وقفات احتجاجية وتظاهرات تتّهم السلطات بعدم معالجة ملفّ المهاجرين بصورة جذرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك