شهدت المناظرة الثانية والأخيرة بين المرشحين الخمسة لرئاسة حكومة إقليم أندلوسيا في إسبانيا، مساء أمس الاثنين، مواجهة سياسية حادة، طغت عليها ملفات الأمن والصحة والحوادث الكبرى، في وقت يسعى فيه رئيس الحكومة الإقليمية الحالي ومرشح الحزب الشعبي، خوان مانويل مورينو، إلى تثبيت تقدُّمه في استطلاعات الرأي قبل الانتخابات المرتقبة في 17 مايو/ أيار الحالي.
وخلافاً للمناظرة الأولى التي اتّسم فيها مورينو بالحذر وتجنّب الأخطاء، دخل هذه المرة في مواجهة مباشرة منذ اللحظات الأولى، مستحضراً حادثتين هزّتا الرأي العام الإسباني خلال الأشهر الأخيرة: مقتل عنصرين من الحرس المدني في عملية لمكافحة تهريب المخدرات على سواحل هويلفا، وحادث القطار في بلدة أداموث بمحافظة قرطبة، الذي أودى بحياة 46 شخصاً في يناير/ كانون الثاني الماضي.
وقال مورينو، في مستهل مداخلته، إنّ" الدفاع عن الخدمات العامة يعني أيضاً محاربة تهريب المخدرات"، في إشارة واضحة إلى محاولة ربط الأمن بأداء الحكومة المركزية التي يقودها الحزب الاشتراكي.
لكن هذا الطرح فجّر سجالاً سريعاً بين المرشحين، إذ اتّهم مرشح تحالف" بور أندلوسيا"، أنطونيو مايو، رئيس الحكومة الإقليمية بـ" استغلال مقتل عناصر الحرس المدني انتخابياً"، فيما دخل مرشح حزب" فوكس" اليميني المتطرف، مانويل غافيرا، على خط النقاش بخطاب متشدد ضد الهجرة، مطالباً بأن ينتهي مهرّبو المخدرات" في قاع البحر".
في المقابل، ردّت مرشحة الحزب الاشتراكي ووزيرة المالية الإسبانية السابقة، ماريا خيسوس مونتيرو، بالتذكير بأن وزارة الداخلية عزّزت خطة الأمن في السواحل الأندلسية عبر توظيف 3500 عنصر إضافي، معتبرة أن الحكومة المركزية قامت بما يلزم لمواجهة تصاعد شبكات التهريب والجريمة المنظمة في الجنوب الإسباني.
وعلى الرغم من تنوع الملفات المطروحة، تحوّلت أزمة برامج الكشف المبكر عن سرطان الثدي إلى أحد أكثر محاور المناظرة توتراً، بعدما شنّ مرشحو اليسار هجوماً مركزاً على مورينو، متهمين حكومته بالتقصير والتستّر على إخفاقات صحية أثرت في آلاف النساء بالإقليم.
وقال مايو مخاطباً مورينو: " لقد كذبت على النساء في قضية الفحوصات، ولم تعتذر لأن المسؤولية تقع عليك مباشرة"، بينما تساءلت مونتيرو بحدة: " كم عدد النساء اللواتي توفين؟ ولماذا لا تنشرون الأرقام؟ هل تخشون الحقيقة؟ ".
وردّ مورينو نافياً وجود وفيات مرتبطة بالأزمة، مؤكداً أنه اعتذر فور تفجّر القضية، قبل أن يحاول تحويل النقاش إلى بُعد شخصي مؤثر، حين استحضر وفاة والده بسرطان القولون نتيجة تشخيص متأخر، متهماً خصومه بتجاوزه أخلاقياً، بعد أن وصفته حسابات تابعة للحزب الاشتراكي بـ" القاتل".
وقال مخاطباً مونتيرو: " والدي توفي بسبب سرطان القولون وتأخّر التشخيص… ماذا يمكن أن أقول أنا عنكم؟ ".
كما شهدت المناظرة مواجهة مباشرة بين مورينو ومونتيرو حول حادث القطار في أداموث، إذ اتهم رئيس حكومة الأندلس السلطات المركزية بالتقاعس عن تحديد المسؤوليات بعد مرور أكثر من مائة يوم على الحادثة، بينما اكتفت المرشحة الاشتراكية بالتأكيد أن لجنة تحقيق لا تزال تواصل عملها، وأن جميع المعطيات ستُكشف لاحقاً، بما في ذلك أداء خدمات الطوارئ التابعة للإقليم.
وفي حين ركّز مورينو على الأمن والاستقرار، حاولت مونتيرو استثمار المناظرة لعرض برنامجها الانتخابي في مجالات الصحة والسكن والرعاية الاجتماعية، بينما واصل مرشح" فوكس" تكرار شعاره المرتبط بـ" الأولوية الوطنية"، في خطاب ركز مجدداً على الهجرة والهوية.
أما مرشح" أدلنتي أندلوسيا"، خوسيه إغناسيو غارسيا، فاختار المواجهة المباشرة مع مورينو، متهماً إياه بـ" ابتزاز" الناخبين عبر التحذير من تعطّل الوظائف العمومية في حال غياب حكومة مستقرة.
وعندما قال مورينو إن تنظيم مسابقات التوظيف" لن يكون ممكناً"، ردّ غارسيا مباشرة: " هذا غير صحيح".
وجرت المناظرة وسط توتر داخل مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأندلسية الرسمية، مع بدء أول أيام الإضراب الذي ينفذه العاملون للمطالبة بخطة توظيف جديدة، وزيادة الإنتاج الداخلي، ووقف ما وصفوه بـ" الاستخدام الحزبي" للنشرات الإخبارية.
وقبل بدء البث، توقفت الإشارة التلفزيونية لمدة ساعتين بسبب الإضراب.
وفي محيط مقر قناة" كانال سور" في إشبيلية، نظم ناشطون من حركة" المد الأبيض" المدافعة عن القطاع الصحي احتجاجاً صاخباً ضد سياسات حكومة الأندلس الصحية.
وتوقف مرشحو أحزاب اليسار لتحية المحتجين، فيما استُقبل مرشحو اليمين بصفارات الاستهجان.
وعلى مستوى الصورة السياسية، بدا مورينو أكثر حرصاً هذه المرة على مظهره وخطابه، بعدما أثار ظهوره في المناظرة السابقة حاملاً كومة كبيرة من الأوراق انتقادات وسخرية.
كما غابت هذه المرة ربطة العنق الخضراء التي جمعته سابقاً بمرشح" فوكس"، في محاولة واضحة لإبراز المسافة بين الحزب الشعبي واليمين المتطرف، رغم استمرار الجدل بشأن احتمال حاجته إلى دعمه بعد الانتخابات.
وتأتي هذه المناظرة الأخيرة قبل أيام قليلة من الانتخابات الإقليمية المقررة في الأندلس في 17 مايو/ أيار الجاري، في استحقاق يُنظر إليه باعتباره اختباراً سياسياً مهماً للقوى الإسبانية الرئيسية، وخصوصاً للحزب الشعبي الذي يسعى إلى الحفاظ على سيطرته على الإقليم، وللحزب الاشتراكي الذي يأمل استعادة واحدة من أهم معاقله التاريخية.
كما تحظى الانتخابات بمتابعة واسعة على المستوى الوطني، في ظل صعود اليمين المتطرف، واستمرار الجدل حول قضايا الصحة العامة والإسكان والهجرة والأمن في جنوب إسبانيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك