الدكتور حسان محمد العسوفي - باحث وخبير في الشؤون البيئية والزراعيةفي الشوبك، لا تبدأ الحكاية من الطريق، بل من ذلك الإحساس الغامض الذي يرافق الزائر وهو يصعد نحو الجبال الجنوبية للأردن، حيث تتعانق القلاع القديمة مع الغيوم، وتنساب الحقول المدرّجة بين الصخور كأنها قصيدة خضراء كتبتها الطبيعة على مهل.
هناك، تبدو الممرات السياحية أكثر من مجرد طرق للمشي أو التنقل؛ إنها ممرات للذاكرة والدهشة، تعيد الإنسان إلى علاقة أولى مع الأرض، وتفتح أمامه أبواباً واسعة للتأمل في جمال المكان وثرائه الطبيعي والإنساني.
فالشوبك ليست محطة عابرة في الجغرافيا، بل فضاء نابض بالحياة، تتجاور فيه رائحة الزعتر البري مع صمت الجبال، وتتناثر على جنباته حكايات القرى القديمة والينابيع والبساتين.
اضافة اعلانوحين يسير الزائر في الممرات السياحية الممتدة بين أودية الشوبك ومرتفعاتها، يشعر وكأنه يعبر متحفاً طبيعياً مفتوحاً على السماء.
هنا أشجار البلوط واللوز والزعرور تنمو بعفوية بين الصخور، وهناك أسراب الطيور تحلق فوق السفوح في مشهد يمنح المكان حيوية استثنائية.
أما التنوع الحيوي في الشوبك، فهو ليس مجرد مصطلح بيئي جامد، بل روح تسكن تفاصيل المكان؛ في النباتات البرية التي تتبدل ألوانها مع الفصول، وفي الأعشاب الطبية التي يعرفها أهل المنطقة منذ مئات السنين، وفي الكائنات الصغيرة التي وجدت في هذه الجبال ملاذاً آمناً بعيداً عن ضجيج المدن.
وتكتسب هذه البيئة فرادتها من موقع الشوبك الجغرافي وارتفاعها المناخي، ما جعلها واحدة من أغنى مناطق الجنوب الأردني بالتنوع الطبيعي والزراعي.
الممرات السياحية في الشوبك لا تقدم للزائر مشهداً طبيعياً فحسب، بل تمنحه تجربة إنسانية عميقة تتداخل فيها الطبيعة مع الثقافة المحلية.
ففي كل قرية يمر بها السائح ثمة حكاية تنتظره؛ امرأة تخبز على الصاج، أو مزارع يعتني بأشجار التفاح والرمان، أو شيخ يروي للغرباء سيرة القلعة التي وقفت قروناً في وجه الغزاة.
ومن خلال هذه الممرات، يتحول المشي إلى فعل اكتشاف، لا للمكان فقط، بل لروح الإنسان الجنوبي الذي حافظ على علاقته الحميمة بالأرض والطبيعة.
ولهذا أصبحت السياحة البيئية في الشوبك نموذجاً متقدماً للسياحة المستدامة، لأنها لا تقوم على الاستهلاك السريع للمكان، بل على احترامه والإنصات إلى تفاصيله وحماية موارده الطبيعية والثقافية.
وفي زمن تتشابه فيه المدن وتضيق فيه المساحات الخضراء، تبدو الشوبك وكأنها دعوة مفتوحة للعودة إلى الطبيعة الأولى؛ إلى الجبال التي تحفظ أسرار المطر، وإلى الممرات التي تقود الإنسان نحو الصفاء الداخلي.
فهنا لا يحتاج الزائر إلى الكثير كي يشعر بالدهشة؛ يكفي أن يتأمل ضوء الغروب وهو ينساب على المدرجات الزراعية، أو أن يسمع حفيف الأشجار في مساء جبلي بارد، حتى يدرك أن هذا المكان يملك سحراً خاصاً لا يشبه غيره.
ومن هنا تنبع أهمية الحفاظ على الممرات السياحية والتنوع الحيوي في الشوبك، ليس فقط بوصفهما مورداً اقتصادياً وسياحياً، بل باعتبارهما جزءاً من الهوية الطبيعية والثقافية للأردن، وذاكرة حيّة تستحق أن تُروى للأجيال القادمة.
وفي الختام فإنّ الاهتمام بممرات السياحة البيئية في الشوبك ليس خيارًا ترفيهيًا، بل مسؤولية وطنية مشتركة، فكل خطوة نحو حمايتها هي استثمار في مستقبل مستدام يعزّز الاقتصاد ويحفظ هوية المكان للأجيال القادمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك