لطالما كان المدافع الألماني أنطونيو روديجر محميًا بعباءة من الصمت التحكيمي والداخلي تجاه أسلوبه الدفاعي الذي يتخطى حدود الخشونة المسموح بها في كثير من الأحيان.
وتعد واقعة التدخل العنيف على دييجو ريكو لاعب خيتافي حلقة في سلسلة طويلة من الإفلات من العقاب المستحق.
حيث لم يجد اللاعب الألماني حينها أي رادع داخلي من إدارة ناديه أو خارجي من لجان الاتحاد الإسباني والليجا وهو ما رسخ لديه شعورًا بأن القوة المفرطة وسيلة مشروعة للسيطرة على الخصوم.
لكن عدالة كرة القدم لا تنسى ديونها طويلًا حيث جاء الرد القاسي قبل أيام في تلك الصفعة التي وجهها روديجر لزميله ألفارو كاريراس لم تكن مجرد فعل عفوي بل كانت النتيجة الطبيعية لغياب المحاسبة السابقة التي جعلته يظن أن التعدي باليد سيمر مرور الكرام.
تعد واقعة اعتداء فيدي فالفيردي على لاعب فياريال السابق أليكس بايينا خارج المستطيل الأخضر نقطة تحول في مسار الانضباط السلوكي داخل النادي الملكي.
مرور تلك الحادثة وغيرها مثل لكمته لصامويل دال لاعب بنفيكا دون توقيع عقوبات رياضية أو إدارية رادعة على اللاعب الأوروجوياني أرسل رسالة ضمنية مفادها أن الغضب الشخصي يمكن أن يترجم إلى فعل مادي عنيف دون عواقب جسيمة.
هذا التساهل المؤسسي تجاه واقعة بايينا مهد الطريق لانتقال هذا السلوك العدواني إلى داخل جدران النادي نفسه.
ولم يتأخر القدر في إظهار عواقب هذا النهج حيث تحول العنف الذي مورس ضد الخصوم إلى صدام داخلي عنيف بين الزملاء.
حيث شهد شهر مايو من عام 2026 اشتباكًا بالأيدي بين فالفيردي وأوريليان تشواميني خلال التدريبات أسفر عن إصابة بدنية واضحة وغرامة مالية ضخمة بلغت 500 ألف يورو لكل منهما.
العنف الذي لم يكبح جماحه في ساحة حافلات ملعب سانتياجو برنابيو وجد طريقه في النهاية ليضرب استقرار الفريق من الداخل مؤكدًا أن غض الطرف عن السلوك غير الرياضي لا ينتج إلا مزيدًا من الفوضى.
في صراع القمة الذي أقيم في شهر أكتوبر من عام 2025 استفاد ريال مدريد بشكل مباشر من تغاضي طاقم التحكيم وتقنية الفيديو عن خطأ فادح ارتكبه المدافع دين هاوسن.
فقد وجه المدافع الشاب كوعًا مباشرًا لوجه باو كوبارسي مما أفسح الطريق للنجم جود بيلينجهام ليسجل هدف الفوز الثاني لفريقه.
في تلك اللحظة كان بيلينجهام هو المستفيد الأول من ثغرة تحكيمية واضحة منحت فريقه نقاط المباراة الثلاث وسط شعور عارم بالظلم لدى الجانب الكتالوني.
ولكن السخرية القدرية تجلت في أبهى صورها عندما وجد بيلينجهام نفسه في مقعد الضحية بنفس الطريقة وبذات الأداة.
ففي مواجهة الأحد الماضي تعرض اللاعب الإنجليزي لضربة كوع قوية من المدافع إيريك جارسيا داخل منطقة الجزاء في مشهد مكرر لما حدث مع كوبارسي.
والمثير للدهشة أن حكام المباراة وغرفة تقنية الفيديو مارسوا نفس التجاهل الذي مارسه زملاؤهم سابقًا ليحرم بيلينجهام من ركلة جزاء مستحقة ويذوق مرارة نفس الظلم التحكيمي الذي منحه هدف الفوز في مواجهة أكتوبر لتكتمل الدائرة وتثبت أن ما تكتسبه بالخطأ قد تخسره بنفس الأسلوب.
الخيط الرابط بين صفعات روديجر ولكمات فالفيردي وأكواع الكلاسيكو هو حقيقة تاريخية تؤكد أن غياب المحاسبة هو المفسد الأول للمواهب الكبيرة وأنه حقًا كما تدين تدان.
التساهل مع العنف ضد الخصوم يشرعن استخدامه كأداة لحل الصراعات حتى بين الزملاء في الفريق الواحد وهو ما يهدد استقرار أي مؤسسة رياضية مهما بلغت عظمتها.
وفي لعبة تعتمد على التفاصيل الصغيرة يظل الدرس الأهم هو أن من يستفيد من خطأ تحكيمي فادح اليوم سيتجرع مرارة الظلم نفسه في المستقبل القريب لتكتمل دائرة العدالة التي لا تغفل عن أي تجاوز مهما طال الزمن.
ما يمر به ريال مدريد حاليًا هو تذكير بليغ بأن العدالة الرياضية ليست مجرد نصوص في اللوائح بل هي توازن طبيعي يفرض نفسه في النهاية.
فمن يزرع الشوك من خلال تجاهل غلظة لاعبيه لا يمكنه أن ينتظر حصد العنب من الانضباط والبطولات الهادئة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك