صوت خطوات ليي مارفن الثقيلة في مطار لوس أنجلوس، وكأنه عاد من الموت لا ليعيش، بل ليشعل الجحيم، هذه الصورة وحدها كفيلة بأن تختصر روح فيلم Point Blank.
هنا، الانتقام ليس مجرد دافع، بل هوية كاملة: “ووكر” لا يبحث عن العدالة، بل عن شيء يعتقد أنه يستحقه، ليكتشف لاحقًا أنه قد لا يعني شيئًا أصلًا.
الفيلم تجربة بصرية آسرة، تنقلك بين سان فرانسيسكو ولوس انجليس بسلاسة تشبه الحلم، أو ربما الكابوس.
أسلوب جون بورمان الإخراجي حاد وأنيق، يضعك في حالة شبه تنويم مغناطيسي، حيث كل مشهد مصمم بعناية ليُشعرك بأنك داخل عالم بارد، أنيق، وخالٍ من الرحمة.
تبدأ الحكاية من الكاتراز ايلند، حيث يجد ووكر نفسه متورطًا في عملية سطو مع صديق قديم.
لكن الخيانة تأتي سريعًا: يُترك ووكر للموت، تُسرق أمواله، وتُنتزع منه حبيبته.
إلا أن القصة لا تنتهي هنا، بل تبدأ.
ينجو، ويعود بهدف واحد: استعادة حقه والانتقام.
حبكة تبدو تقليدية… لكن الفيلم يرفض أن يكون كذلك.
التحول الحقيقي يكمن في ما يكتشفه ووكر خلال رحلته.
كلما اقترب من هدفه، ازداد فراغه الداخلي.
الانتقام لا يُشبع، لأنه ببساطة لم يكن شخصيًا كما ظن.
لم يكن هو الهدف الحقيقي، بل مجرد ترس صغير داخل منظومة أكبر، باردة، لا تكترث للأفراد.
هنا يطرح الفيلم سؤالًا نادرًا في هذا النوع: ماذا لو كان الهدف نفسه بلا قيمة؟بصريًا، العمل مذهل بشكل استثنائي.
رغم إنتاجه عام 1967، إلا أن جماليته لا تزال متفوقة حتى بمعايير اليوم.
استخدام عدسات بانافيجن العريضة يمنح الصورة امتدادًا سينمائيًا غامرًا، يجعلك تشعر بأنك محاصر داخل عالم ووكر.
أما المونتاج، فهو لعبة ذكية من التنقل الزمني والربط بين الشخصيات، يسرّع الإيقاع ويمنح السرد طابعًا متشظيًا لكنه متماسك.
أما ليي مارفن، فهو قلب الفيلم النابض.
أداء صامت في ظاهره، لكنه مليء بالقوة.
عيناه تتكفلان بكل شيء الغضب، البرود، وحتى الخواء.
حضوره يفرض نفسه دون جهد، وكأن الكاميرا خُلقت لتتبعه.
في النهاية، هذا ليس فيلم انتقام تقليدي، بل تفكيك لفكرة الانتقام نفسها.
تجربة تبهرك بصريًا، تشدك سرديًا، ثم تتركك تتساءل: هل كان كل ذلك يستحق؟تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك