تتعلق أنظار مؤسسة الحكم البريطانية، وهي تناقش مستقبل كير ستارمر في زعامة حزب العمال الحاكم، بأسواق المال، إذ لا يخلو حديث أو تصريح لمسؤول حكومي بينهم ستارمر نفسه من التحذير بشأن انعكاسات التقلبات السياسية التي تشهدها بريطانيا، على أسواق المال وكلفة الاقتراض التي من المحتم أن تدفعها الخزانة والمواطنون أيضا.
ورغم انحسار الموجة مؤقتا بعد اجتماع الحكومة الثلاثاء، وتأكيد ستارمر عدم وجود اقتراع رسمي لسباق زعامة داخل الحزب، فإن البريطانيين يتابعون تلك الدراما فتستدعي ذاكرتهم آليا هذا المشهد الذي أصبح متكررا، فبريطانيا عرفت خلال عشر سنوات ستة رؤساء حكومات، خمسة استبدلهم المحافظون خلال ثماني سنوات والسادس هو رئيس الوزراء العمالي، الذي يكمل بالكاد عامين في السلطة.
في كل مرة تمرد نواب الحزب الحاكم، وهي مهمة أثبتت السنوات الأخيرة أنها سهلة التنفيذ، كان المواطنون وقروضهم العقارية ومستوى دخولهم، أول الضحايا.
فبينما لا يمكن تغيير الحكومة دون الدعوة لانتخابات عامة (برلمانية) كل خمس سنوات، يمكن للحزب الحاكم إطاحة رئيس الوزراء في أي وقت خلال الولاية البرلمانية إذا توافرت بعض الشروط، منها في حالة العمال مثلا، أن يؤيد خمسة من نواب مجلس العموم (81 نائبا) إجراء انتخابات لقيادة الحزب وهو ما أصبح أكثر تداولا في الأسابيع الأخيرة، بسبب شعبية ستارمر المتدنية.
مسلسل تغيير رؤساء الحكومات في السنوات الأخيرة يؤكد حدوث تغير في الحياة السياسية، التي حولت بريطانيا من إحدى أكثر الديمقراطيات النيابية استقرارا في أوروبا إلى دولة" غير قابلة للحكم" حسب أحد التوصيفات الشائعة.
فيكف يؤثر ذلك التقلب على الأوضاع الاقتصادية والمالية؟على مدى أسابيع، وحتى قبل الانتخابات المحلية كانت الأسواق المالية تتحسب لحدوث تغير ما في أروقة داوننغ ستريت، يحول أو يؤثر على التوجهات التي يتبناها ستارمر ووزيرة خزانته راتشيل ريفز على مستوى الاقتراض والديون البريطانية.
تمثلت تلك المخاوف في إمكانية وصول رئيس وزراء جديد من الجناح اليساري في الحزب يخفف القيود المالية التي اتبعتها ريفز ويزيد من فاتورة الإنفاق، ما يضيف مزيدا من الضغوط على السندات الحكومية.
وكانت عوائد السندات البريطانية لأجل عشر سنوات قد سجلت أعلى مستوياتها في 18 عاماً خلال الأسابيع الأخيرة، فيما ارتفعت عوائد السندات لأجل 30 عاماً في وقت سابق من الأسبوع الجاري إلى أعلى مستوى منذ عام 1998.
ورغم تمسك ستارمر بمنصبه في اجتماع الحكومة اليوم الثلاثاء، وتأكيده أنه سيبقى على رأس الحكومة حتى الانتخابات المقبلة، فإن هذه التعهدات لم تكن كافية لتبديد مخاوف الأسواق، فواقع الأمر أن العالم جميعا يمر بأزمة ناجمة عن حرب إيران وتداعياتها على الأسعار من الطاقة إلى الغذاء، لكن بريطانيا تمر بأزمتين، حرب إيران وعدم الاستقرار السياسي في قمة الحكم.
وفي تعاملات الثلاثاء، بلغ العائد على السندات البريطانية لأجل 30 عاماً مستوى 5.
797%، وهو الأعلى منذ عام 1998.
كما وصل العائد على السندات لأجل عشر سنوات إلى 5.
116%، مقترباً من الذروة التي سجلها عام 2008.
وتراجع الجنيه الإسترليني بنحو 0.
8% مقابل الدولار، كما انخفض أيضاً أمام اليورو.
وخسر مؤشر الأسهم البريطانية الرئيسي" فوتسي 100" FTSE 100 حوالي 0.
5%، متماشياً مع خسائر الأسواق الأوروبية الأخرى.
وتسير أسعار فائدة السندات في علاقة عكسية مع الاستقرار السياسي في الدولة مصدرة السندات.
فكلما تراجع الاستقرار السياسي والاقتصادي، ارتفعت أسعار فائدة السندات؛ فارتفاع العوائد غالباً يعني أن المستثمرين يرون مخاطر أكبر في إقراض هذه الدولة، لذلك يطالبون بعائد أعلى مقابل تحمل المخاطر.
وقد تكون هذه المخاطر سياسية أو اقتصادية أو مرتبطة بالتضخم أو العجز المالي.
ونقلت وكالة" فرانس برس" عن ديرين ناثان، رئيس أبحاث الأسهم في شركة هارغريفز لانسداون، أن بريطانيا شهدت ارتفاعاً في تكاليف الاقتراض الحكومي مع" تزايد الضغوط على قيادة ستارمر".
وأضاف أن" احتمال مجيء خليفة أكثر ميلاً للتوسع المالي قد يكون عاملاً ضاغطاً"، إلى جانب ارتفاع أسعار النفط الذي يدفع التضخم إلى الصعود.
تفاعلات الأسواق مع تطورات العمال وداوننغ ستريت على مدى اليومين الماضيين، تؤكد الانعكاسات المالية للمناوشات السياسية في صفوف حزب العمال.
فالأسواق ترجح أن يتبنى خليفة ستارمر، في حال اندلاع سباق قيادة رسمي داخل الحزب، أجندة سياسية تميل أكثر نحو اليسار، وتحذر من أن ذلك التوجه قد يدفع الاقتصاد البريطاني نحو حالة من الركود التضخمي، مع ارتفاع أسعار الفائدة، بل وربما الوصول إلى أسوأ السيناريوهات المتمثل في هروب رؤوس الأموال.
لكن فريقا من المراقبين يحذر من الإفراط في التشاؤم، فما تعيشه أسواق السندات البريطانية، رغم جديته، لا يقل بأي حال عما تشهده سندات دول أخرى مثل ألمانيا وفرنسا، وكلتاهما من اقتصادات السبعة الكبار إلى جانب بريطانيا.
وقال المحلل المالي الألماني كريسيتان كوف، من شركة" يونيون إنفيستمنت" للتعاملات المالية في مقابلة مع (بي بي سي) صباح اليوم، إن ما يحرك أسواق السندات ويؤثر عليها في الوقت الراهن" ليس السياسات البريطانية وإنما سوق النفط وتفاعلاته، والحرب على إيران والارتفاع العالمي في معدلات التضخم"، مضيفا أنه من المتوقع أن يستمر المتعاملون في إضافة علاوة مخاطر على السندات البريطانية لكن هذه العلاوة حسب قوله ليست قاصرة على بريطانيا لكنها مطبقا على السندات الألمانية كذلك وبمستوى أعلى.
يتذكر البريطانيون ما حدث مع ليز تراست، رئيسة حكومة المحافظين التي حكمت لمدة 45 يوما فقط في عام 2022.
فقد تسببت ميزانيتها المصغرة، التي تضمنت تخفيضات ضريبية ضخمة غير ممولة إلى جانب خطط لزيادة الإنفاق، في حالة ذعر في الأسواق المالية، إذ خشي المستثمرون من اتساع العجز وارتفاع الدين العام بشكل غير مستدام.
فقفزت عوائد السندات الحكومية البريطانية بشكل حاد، وانهار الجنيه الإسترليني إلى مستويات قياسية منخفضة، فيما اضطُر بنك إنكلترا إلى التدخل بشكل طارئ لشراء السندات ومنع انهيار صناديق التقاعد.
ويبدو أن الأحزاب السياسية استوعبت الدرس، فالأسواق تفضل الحكومات ذات الأداء المالي المنضبط والقيود المتشددة لكبح التضخم، أو على الأقل أن تقوم ببذل أقصى طاقتها لضمان ذلك، ولا شك أن حزب العمال يدرك ذلك، ويدرك أنه لا خيار أفضل من ستارمر في الوقت الراهن على الأقل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك