كشفت دراسة علمية حديثة عن تصاعد خطير في ظاهرة «الاستشهادات الوهمية» داخل الأبحاث الأكاديمية، حيث باتت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تُنتج مراجع ودراسات غير موجودة فعلياً، لكنها تبدو حقيقية ومقنعة للباحثين والمراجعين.
وحذّر الباحثون من أن هذه الظاهرة بدأت تؤثر على جودة النشر العلمي ومصداقية الأبحاث، خاصة مع الاعتماد المتزايد على أدوات مثل «ChatGPT» و«Claude» في كتابة الدراسات الأكاديمية وتحريرها.
تفاصيل الدراسة والجهة التي أعدتهاالدراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «ذا لانسيت» الطبية العالمية، تحت عنوان: «الاستشهادات المفبركة: تدقيق في 2.
5 مليون ورقة بحثية في العلوم الطبية الحيوية».
وأعدها فريق بحثي من جامعة كولومبيا الأميركية بقيادة الباحث في الذكاء الاصطناعي الصحي ماكسيم توباز، إلى جانب الباحثين نيتا روغين، وبريان غوبتا، وزهانغ زهي، ولورا-ماريا بيلتونن.
وركزت الدراسة على قياس مدى انتشار المراجع العلمية غير الحقيقية داخل الأوراق الأكاديمية الحديثة، خصوصاً في مجال الأبحاث الطبية الحيوية.
وأوضح الباحثون أن الدراسة جاءت بعد ملاحظات متزايدة حول وجود استشهادات بأبحاث لا وجود لها فعلياً داخل قواعد البيانات العلمية، وهي مشكلة بدأت تتكرر بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة مع انتشار استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بين الباحثين والأكاديميين.
قال الباحث الرئيسي ماكسيم توباز إن فكرة الدراسة بدأت بعد تجربة شخصية تعرض لها أثناء استخدام روبوت دردشة يعمل بالذكاء الاصطناعي لمساعدته في تحرير مقال علمي كان يستعد لنشره.
ورغم قيامه بمراجعة المراجع بنفسه، اكتشف أحد محرري المجلة لاحقاً وجود استشهاد خاطئ داخل النص.
ووصف توباز الموقف بأنه «محرج للغاية»، مشيراً إلى أن الحادثة دفعته للتساؤل حول حجم المشكلة داخل المجتمع الأكاديمي، خصوصاً مع اعتماد عدد متزايد من الباحثين على أدوات الذكاء الاصطناعي في كتابة الأبحاث وإعداد المراجع العلمية.
واعتمدت الدراسة على تحليل أكثر من 2.
47 مليون ورقة بحثية منشورة بين يناير 2023 وفبراير 2026 ضمن قاعدة بيانات «PubMed Central Open Access»، إضافة إلى مراجعة حوالي 97.
1 مليون استشهاد علمي يحمل معرفات رقمية قابلة للتحقق مثل DOI وPMID.
ومن أصل 125.
6 مليون مرجع تم استخراجه من الأوراق العلمية، تمكن الباحثون من التحقق من 77% منها فقط لأنها كانت تحتوي على معرفات رقمية قابلة للفحص.
وأكد الباحثون أن هذا الحجم الكبير من البيانات يجعل الدراسة واحدة من أوسع الدراسات التي تناولت نزاهة الاستشهادات العلمية حتى الآن.
نظام «CITADEL» لرصد المراجع المفبركةطور الباحثون نظاماً آلياً أطلقوا عليه اسم «CITADEL»، وهو اختصار لعبارة Citation Integrity Testing And Detection of Erroneous Literature، أي «نظام اختبار نزاهة الاستشهادات واكتشاف الأدبيات الخاطئة».
ويهدف هذا النظام إلى اكتشاف المراجع المفبركة أو غير الحقيقية داخل الأبحاث العلمية بشكل آلي وعلى نطاق واسع.
ويعمل النظام عبر أربع مراحل متتالية تبدأ باستخراج المراجع العلمية من النصوص الكاملة للأبحاث، ثم مقارنة بيانات كل مرجع مع قواعد البيانات العالمية مثل «PubMed» و«Crossref»، قبل استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الاختلافات والتأكد مما إذا كانت ناتجة عن أخطاء تنسيق بسيطة أم عن مراجع مختلقة بالكامل.
وفي المرحلة الأخيرة تتم مراجعة المرجع عبر أربع قواعد بيانات علمية كبرى تشمل «PubMed» و«Crossref» و«OpenAlex» و«Google Scholar»، وأي مرجع لا يظهر في أي منها يُصنف على أنه «مرجع مفبرك محتمل».
ارتفاع صادم في نسبة المراجع الوهميةكشفت الدراسة عن العثور على نحو 4 آلاف استشهاد مفبرك داخل 2810 أوراق علمية.
ورغم أن النسبة العامة لا تزال منخفضة نسبياً مقارنة بحجم النشر العلمي العالمي، فإن الباحثين أكدوا أن معدل انتشار الظاهرة يشهد تصاعداً حاداً خلال فترة قصيرة.
ففي عام 2023، كانت ورقة واحدة فقط من كل 2828 ورقة بحثية تحتوي على مرجع مفبرك، لكن الرقم ارتفع بشكل كبير في عام 2025 ليصل إلى ورقة واحدة من كل 458 ورقة.
وخلال أول سبعة أسابيع فقط من عام 2026، وصلت النسبة إلى ورقة واحدة من كل 277 ورقة بحثية، ما يعني أن معدل الانتشار تضاعف ست مرات خلال أقل من ثلاث سنوات.
واعتبر الباحثون أن هذا التسارع السريع مؤشر خطير على توسع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي دون تدقيق كافٍ في المراجع التي تنتجها.
أكثر أنواع الأبحاث تأثراً بالمراجع المفبركةأظهرت التحليلات الإضافية أن «المراجعات المنهجية» أو Systematic Reviews كانت أكثر أنواع الأبحاث احتواءً على استشهادات مفبركة، بمعدل بلغ 17.
2 حالة لكل 10 آلاف ورقة بحثية.
وجاءت بعدها المقالات المراجِعة بمعدل 16.
7 حالة لكل 10 آلاف ورقة، ثم الدراسات الرصدية بمعدل 12.
1 حالة، في حين بلغ المعدل داخل المقالات العلمية التقليدية 11.
4 حالة لكل 10 آلاف ورقة.
وأشار الباحثون إلى أن خطورة هذه النتائج تكمن في أن المراجعات المنهجية تُستخدم عادة كأساس لبناء الإرشادات الطبية والسياسات الصحية، ما يعني أن وجود مراجع مزيفة داخلها قد يؤثر على قرارات علاجية وطبية حقيقية.
وحسب الدراسة، فإن 78.
7% من الأوراق التي تضمنت استشهادات مفبركة احتوت على مرجع وهمي واحد فقط، بينما تضمنت 12.
6% منها مرجعين مزيفين، و4.
1% ثلاثة مراجع.
كما كشفت البيانات أن بعض الأوراق احتوت على أكثر من 11 مرجعاً مفبركاً داخل البحث الواحد، وهو ما وصفه الباحثون بأنه مؤشر على اعتماد مفرط وغير مدقق على أدوات الذكاء الاصطناعي في إعداد المراجع.
أمثلة صادمة على المراجع الوهميةعرضت الدراسة أمثلة متعددة لمراجع تبدو حقيقية لكنها غير موجودة فعلياً.
ففي إحدى الدراسات المتعلقة بإصابات قطاع البناء في قطر، استخدم الباحثون عنوان دراسة يبدو منطقياً حول بروتوكولات السلامة وتأثيرها على وحدات العناية المركزة، لكن رقم التعريف الحقيقي كان يعود إلى دراسة مختلفة تماماً تتعلق بالصحة النفسية للمستجيبين الأوائل.
وفي مثال آخر، ظهر مرجع عن التهاب المفاصل والروماتيزم بينما كان الرقم التعريفي يقود في الواقع إلى دراسة عن تربية الديدان داخل أنسجة الفاكهة.
كما رصدت الدراسة حالة أخرى استخدم فيها باحثون مرجعاً مزيفاً في دراسة عن الألم المزمن، بينما كان المرجع الحقيقي مقالاً يناقش أخلاقيات استخدام «ChatGPT» في الأبحاث العلمية.
مخاوف من تراجع جودة البحث العلميحذر عدد من الخبراء المشاركين في الدراسة من أن المشكلة لا تتعلق فقط بالمراجع الوهمية، بل بما تعكسه من تغير أعمق في ثقافة البحث العلمي نفسها.
وقال الباحث في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي محمد حسيني من جامعة نورث وسترن إن بعض الباحثين لم يعودوا يقرأون الأدبيات العلمية فعلياً، بل يعتمدون على «حدس سريع» ويطلبون من أدوات الذكاء الاصطناعي إنشاء مراجع داعمة لأفكارهم.
وأضاف أن عملية الاستشهاد العلمي كانت سابقاً قائمة على القراءة والتحليل والتقييم النقدي، بينما أصبحت الآن لدى بعض الباحثين مجرد عملية «رشّ للمراجع» داخل النصوص دون التحقق من صحتها.
معظم الأبحاث لم تواجه أي إجراءات تصحيحيةورغم خطورة النتائج، أظهرت الدراسة أن معظم الأوراق التي احتوت على استشهادات مفبركة لم تواجه أي إجراءات تصحيحية أو سحب رسمي.
فحتى فبراير 2026، لم يُسحب سوى بحثين فقط من أصل 2810 أبحاث متأثرة، وكانت أسباب السحب مرتبطة بمشكلات في البيانات وليس بالمراجع المزيفة نفسها.
كما أُصدرت 43 ملاحظة تصحيحية فقط، لكن أياً منها لم يتناول قضية الاستشهادات المفبركة التي اكتشفها نظام «CITADEL».
وأكد الباحثون أن نتائج الدراسة تمثل «الحد الأدنى» فقط لحجم المشكلة الحقيقي، لأن النظام المستخدم اقتصر على الأوراق الطبية الحيوية المفتوحة الوصول، كما أنه لم يتمكن من فحص جميع أنواع المراجع غير القابلة للتحقق رقمياً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك