بين مشاهد افتتاح رحلات المونوريل، وبين صور زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون إلى الإسكندرية، كان هناك خيط واحد يجمع المصريين جميعا، الشعور بالفخر بأن هذا البلد ما زال قادرا على إدهاش أبنائه وإبهار ضيوفه.
المصريون يحبون الفرح بطبعهم، ويبحثون عنه حتى في أصعب الظروف، لذلك لم تكن مشاهد الناس وهم يتابعون المونوريل مجرد متابعة لوسيلة مواصلات جديدة، بل كانت احتفالا بحلم قديم ظل المصري يحلمه طويلا، أن يرى بلده يدخل المستقبل بثقة، وأن يشعر أن الزمن يتحرك للأمام، وأن القاهرة التي أنهكها الزحام يمكن أن تتنفس من جديد.
كان الناس يتحدثون عن المحطات النظيفة، والعربات الحديثة، والإطلالة المختلفة للمدينة، وكأنهم يتحدثون عن بيتهم الخاص.
فالمشروعات الكبرى لا تصبح عظيمة فقط بحجم تكلفتها، ولكن عندما يشعر المواطن أنها تخصه، وأنها جزء من حياته اليومية، وأنها تقول له ببساطة: " اللى جاي أحلى".
وفي الوقت نفسه، جاءت زيارة ماكرون إلى الإسكندرية لتوقظ شيئا عميقا في وجدان المصريين، فالإسكندرية ليست مجرد مدينة، بل حالة وجدانية كاملة، مدينة البحر والذاكرة والثقافة والتاريخ.
وعندما ظهر رئيس دولة كبرى يتجول في شوارعها، ويتأمل مكتبتها ويأكل الآيس كريم على كورنيشها، شعر المصريون أن مدينتهم الجميلة تعود إلى مكانتها التي تستحقها أمام العالم.
لم يكن الاحتفاء بالزيارة احتفاء بشخص الرئيس الفرنسي فقط، بل كان احتفاء بصورة مصر نفسها وهي تستقبل العالم بثقة وهدوء وحضارة.
المصري يحب أن يرى بلده كبيرا في عيون الآخرين، ويحب أكثر أن يشعر أن العالم ما زال ينظر إلى مصر باعتبارها دولة لها ثقلها وحضورها وتاريخها.
اللافت في المشهدين أن فرحة المصريين كانت عفوية للغاية.
لا أحد طلب منهم أن يفرحوا، ولا أحد لقنهم مشاعرهم، الناس بطبيعتها تميل إلى كل ما يمنحها الأمل، وكل ما يشعرها بأن هذا الوطن يتحرك ويتغير ويعيش، وربما لهذا السبب انتشرت الصور والتعليقات ومقاطع الفيديو بسرعة كبيرة، لأن المصري حين يفرح يحب أن يشارك فرحته مع الجميع.
نحن لا نحتاج دائمًا إلى انتصارات ضخمة حتى نفرح، أحيانا تكفينا لقطة جميلة لمدينة تتجمل، أو مشروع حديث يدخل الخدمة، أو صورة لوطن يبدو في عيون أبنائه أكثر إشراقا.
فالشعوب لا تعيش بالخبز وحده، بل تعيش أيضا بالأمل، والإحساس بالفخر، والشعور بأن القادم يحمل شيئا أجمل.
ولعل أجمل ما في المصريين أنهم، رغم كل الضغوط والتحديات، ما زالوا يحتفظون بقدرتهم المدهشة على الفرح، يختلفون كثيرا، وينتقدون كثيرا، ويغضبون سريعا، لكنهم حين يجدون ما يستحق الفرحة، يلتفون حوله بقلب واحد.
لهذا، لم تكن الأيام الماضية مجرد أخبار عابرة بين مونوريل جديد وزيارة رئيس أجنبي، بل كانت تذكيرا مهما بأن المصريين ما زالوا يحبون بلدهم، وما زالوا قادرين على الحلم، وما زالت الفرحة قادرة على أن تجمعهم مهما أوجعتهم بعض التفاصيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك