بين صمت رسمي كامل ونقاش ساخن متصاعد على وسائل التواصل الاجتماعي، تحوّلت واقعة اختفاء المخرج وكاتب السيناريو المصري عمر صلاح مرعي إلى أحدث حلقات الجدل حول الحريات والمجال العام في مصر، بعدما تجاوزت القضية حدود التضامن الحقوقي والفني لتتحول إلى معركة إلكترونية حادة بين مؤيدين يطالبون بالكشف عن مصيره والإفراج عنه، وخصوم وجدوا في اختفائه مناسبة لتصفية حسابات أيديولوجية وثقافية قديمة معه.
منذ إعلان زوجته، نورا السيد، أن قوة أمنية بملابس مدنية اقتحمت منزلهما في سرايات المعادي مساء الاثنين 11 مايو/أيار، واقتادته إلى جهة غير معلومة، بينما تعرضت الشقة لتحطيم واختفاء أموال وأجهزة إلكترونية بحسب روايتها، لم تصدر وزارة الداخلية أو النيابة العامة أي توضيحات رسمية بشأن الواقعة، وهو ما فتح الباب واسعاً أمام سيل من الروايات والتكهنات والاشتباكات السياسية على الإنترنت.
وفقاً لرواية أسرة مرعي التي نشرها موقع" المنصة"، فإن القوة الأمنية اصطحبت مرعي من منزله إلى قسم شرطة المعادي قبل أن ينكر القسم وجوده، فيما قال محامو الأسرة إنهم أرسلوا تلغرافات إلى النائب العام ووزارة الداخلية من دون الحصول على رد رسمي حتى الآن.
وتحدثت منظمات حقوقية، منها المنظمة العربية لحقوق الإنسان، عن" اختفاء قسري قصير الأمد"، مستندةً إلى غياب أي معلومات عن مكان احتجازه أو عرضه على جهة تحقيق رسمية.
خلال الساعات الماضية لم تبقَ القضية في إطارها الحقوقي التقليدي، فمع اتساع التفاعل على منصتَي" فيسبوك" و" إكس"، انقسمت التعليقات إلى معسكرين متناقضين بصورة حادة.
يرى المعسكر الأول، الذي يضم فنانين وحقوقيين وصحافيين ونشطاء ينتمون في أغلبهم للتيارات الليبرالية والاشتراكية، في الواقعة امتداداً لسلسلة من التضييقات على المجال الثقافي والإعلامي، مطالبين بالكشف الفوري عن مكان مرعي وضمان حقوقه القانونية والطبية، خاصة مع حديث أسرته عن معاناته الصحية وحاجته إلى علاج منتظم.
واعتبروا أنّ الخلاف مع آرائه أو مواقفه لا يبرّر اختفاءه أو احتجازه خارج الأطر القانونية المعلنة.
في المقابل، رصد" العربي الجديد" تياراً آخر تعامل مع الواقعة بمنطق" الشماتة السياسية والثقافية"، مستدعياً مواقف سابقة لمرعي اعتبرها الناقدون" هجومية" تجاه سيدات محافظات ومستخدمين انتقدوا ما وصفوه بـ" التعري والانحلال" في بعض الفعاليات الفنية.
وتداولت حسابات عدة تعليقات حادة ضد المخرج الشاب، بينها منشورات عنيفة، يبدو أنها تسير ضمن مجموعات محافظة دينياً وأخرى موجهة لمحاربة منتقدي النظام، اتهمته بازدراء القيم الاجتماعية ومهاجمة المصريين المحافظين، معتبرةً أن دفاعه السابق عن حرية اللباس والتعبير كان" انتقائياً" لأنه، بحسب منتقديه، لم يتقبل الرأي المحافظ بنفس الدرجة.
هذا التحول السريع من قضية اختفاء وحقوق قانونية إلى معركة هوية وثقافة يعكس، وفق حقوقيين تحدثوا لـ" العربي الجديد"، حالة الاستقطاب العميق التي أصبحت تميز النقاش العام في مصر، حيث تتداخل القضايا الحقوقية مع الصراعات الأخلاقية والسياسية والدينية، فيتحوّل الشخص محل الأزمة إلى رمز لمعسكر كامل، سواء كان ليبرالياً أو محافظاً.
ويشير حقوقيون إلى أن عمر صلاح مرعي ربما قد وقع تحديداً عند نقطة الاشتباك بين هذين العالمين، باعتباره ينتمي إلى دوائر السينما المستقلة، التي طالما اصطدمت بخطابات محافظة تتهمها بترويج" التحلل" أو" تشويه صورة المجتمع"، بينما يرى العاملون في هذه الدوائر أن ما يقدمونه يدخل ضمن حرية الإبداع والتعبير الفني.
تأتي قضية اختفاء مرعي وسط تجاهل نقابة العاملين بالسينما لقضيته حتى الآن، وفي وقت يضفي حساسية إضافية، لظهورها بعد أشهر من حديث رسمي متكرر عن" انفراجة" في المجال العام، ومطالبة أحزاب وقوى سياسية بتبييض السجون من المعتقلين والمحبوسين في قضايا الرأي من السياسيين والصحافيين والكتاب، وفي وقت قال فيه وزير الإعلام والهيئة العامة للاستعلامات، ضياء رشوان، إن المرحلة المقبلة ستشهد" مزيداً من الحريات والانفتاح الإعلامي"، في إطار ما تصفه السلطات بالحوار الوطني وتطوير المناخ السياسي.
كذلك جاء اختفاء مرعي أثناء نظر قضايا تتعلق بكُتّاب وصحافيين ورسامي كاريكاتير ومدونين ومحاكمات طاولت صحافيين وناشرين وكُتّاب رأي بتهم تعتبرها منظمات حقوقية" معلّبة"، إذ تجرى التحقيقات التي تستغرق سنوات حول" نشر أخبار كاذبة أو إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو الانضمام إلى جماعات محظورة"، بينما تؤكد السلطات أن الإجراءات تجري وفق القانون وليس بسبب الرأي أو الإبداع.
ويرى حقوقيون أن النمط المتكرر في قضايا الاختفاء القسري، المشابهة لحالة مرعي، يتمثل في اختفاء الشخص لأيام أو أسابيع، قبل ظهوره لاحقاً أمام نيابة أمن الدولة العليا على ذمة قضية جديدة، وهو ما يجعل كثيرين يترقبون ما إذا كان عمر صلاح مرعي سيظهر خلال الأيام المقبلة في سيناريو مشابه، أم أنّ القضية ستتخذ مساراً مختلفاً.
وتؤكد المصادر الحقوقية لـ" العربي الجديد" أن غياب أي رواية رسمية حتّى الآن، تُبقي قصة مرعي مفتوحة على احتمالات عدة، إما ظهوره لاحقاً في قضية أمنية معلنة كما حدث في حالات سابقة، أو الإفراج عنه بعد ضغوط إعلامية وحقوقية، أو استمرار الغموض بما يزيد من حدة الجدل المحيط بالقضية، مؤكدين أن الواقعة كشفت مرة أخرى هشاشة الحدود بين الخلاف الفكري والحق القانوني في المجال العام المصري، الذي تآكل هامش حرياته بمعدلات كبيرة منذ أحداث 30 يونيو/حزيران 2013.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك