يقودنا الذكاء الاصطناعي، بإيجابياته وسلبيات تطبيقاته، إلى ما لا نهاية.
وتلهث المجتمعات قاطبة للركوب في قطار عصر العولمة.
وما تكاد تخطو خطوة إلى الأمام وتلتقط أنفاسها حتى يتسع الأفق وتتشعّب طرائق وأشكال ذلك الذكاء، فتسابق الزمن للحصول على أجود المتوفّر من التكنولوجيا.
وكلّ ذلك من شأنه التأثير على العملية التعليمية، مع علمنا اليقين بأنّ التعليم بشكله التقليدي لن يتلاشى، ولكنه سيأخذ أشكالاً مختلفة.
والتكهنات بشأن تلك الأشكال قد لا يحيط بها تفكيرنا الحاضر، وتبقى كلّ الاحتمالات قائمة.
وسنواجه حتماً تحديات تفرض علينا بعض التنازلات للدخول في عالم الحضارة المتشابهة الأفراد، المختلط العادات والتقاليد والأيديولوجيا.
تلك المتغيرات التي من شأنها أن تتحكّم ببوصلة الأجيال القادمة إذا ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
فلم تعد المدرسة تتسع لكلّ أشكال التكنولوجيا الحديثة، وضاقت الغرفة الصفية بكمّ المنهاج، وأصبح البرنامج الدراسي يميل إلى التكرار والملل بسبب طول اليوم الدراسي.
وتنوّعت وتشكّلت المواضيع داخل المنهاج، وقد يكون بعضها لا يتناسب وميول بعض الطلبة، مما ترك أثراً على المهارات الأساسية للقراءة والكتابة والإملاء والرياضيات.
وقد يعود السبب إلى الثورة الصناعية والتوسّع الاقتصادي العالمي في مجالات التكنولوجيا، والذي اضطر المدرسة للتماهي مع المجالات الأخرى التي تسابقت باستخدام أدوات التكنولوجيا الحديثة.
اضافة اعلانإن التقدّم العلمي متسارع ولا يقف عند حد؛ وبذلك لن تكون المدرسة أو الجامعة قادرة على تحديث برامجها أسبوعياً أو شهرياً تماشياً مع هذا التقدّم المتسارع.
ومع وجود تلك التكنولوجيا ظهر مصطلح مخالف للتوقعات، ألا وهو" فقر التعليم"، والذي من المفترض أن تثري الأدوات التكنولوجية العملية التربوية كماً ونوعاً بتناسب طردي.
إنّ إصلاح المنظومة التربوية يتم من خلال العودة إلى الأساسيات، وفي الوقت نفسه لا يمكن الاستغناء عن التكنولوجيا الحديثة بأدواتها المتنوّعة حتى لا نتخلّف عن مستجدات التعليم.
فماذا نعني بالعودة إلى الأساسيات؟ إنّ الدعوة للعودة إلى الأساسيات لها ارتباط وثيق بتاريخ التعليم منذ الفيلسوف اليوناني أفلاطون حتى وقتنا الحاضر.
فالمعادلة ثابتة: معلّم، منهاج، طلبة، اختبارات، أدوات تعلّم.
ولكن ما طرأ عليها من تغيير تكنولوجي هو المتغيّر.
وبقي السؤال المطروح: إلى أيّ حدٍ ساهمت تلك التكنولوجيا في جودة التّعليم وتطويره؟ لم يطرأ على النظام التربوي أي تغيير يُذكر، فمستوى التعليم مازال يُراوح مكانه.
بل أشارت بعض الدراسات الحديثة أنّه قد تراجع في بعض الدّول المتقدمة.
ورد في تقرير حديث أن ولاية مين (Maine) في الولايات المتحدة الأميركية عادت إلى الورقة والقلم بعد صرف 30 مليار دولار على الشاشات الإلكترونية والحواسيب والأجهزة اللوحية في الصفوف الدراسية خلال عام 2024م، ضمن مشروع استهداف تقليص الفجوة الرقمية وربط المدارس بالإنترنت، بعد أن ظهر ضعف مخرجات التعليم لدى الطلبة.
من المؤكّد أننا سنجد معارضين للرجوع إلى الأساسيات، وسيدافعون باستماتة عن وجهة نظرهم، ولكن شئنا أم أبينا فالرجوع إلى الأساسيات أصبح ضرورة تُرتجى.
العودة إلى الأساسيات تعني: التركيز على القراءة والكتابة والإملاء والحساب في الصفوف الأساسية الثلاثة الأولى على الأقل، واستخدام القلم والورقة.
لقد أثبتت الدراسات النفسية أنّ هناك أثراً إيجابياً لاستخدام الورقة والقلم على التآزر العقلي العضلي والذاكرة.
إنّ اللغة العربية هي لغة الاشتقاق، واحتواؤها على 12 مليون مفردة يدفعنا إلى القول: علّموا أولادكم القراءة والكتابة والحساب، فإنّ هذه المرحلة الدراسيّة لا تتسع لأكثر من ذلك.
وعدم ترحيل المناهج من الصف الأعلى إلى الصف الأدنى مما ترك أثراً وفجوة بين ما تعلّمه الآباء وما يتعلّمه الأبناء.
دمج منهاج العلوم والاجتماعيات، وتضمينها في دروس اللغة العربية.
وحذف الرياضيات الحديثة من الصفوف 1–3، والتركيز على المهارات الأساسية في الرياضيات: جمع، طرح، ضرب، قسمة.
ودمج مهارات الحاسوب ضمنها حتى درجة الإشباع.
وتأجيل تعلّم اللغة الإنجليزية حتى الصف الخامس الأساسي، ليتسنّى للطالب تعلّم لغته الأم بشكل تام.
والتركيز على أسلوب التعلّم من خلال المشاريع، وتمثيل القيم من خلال المسرح المدرسي؛ لأن الطلبة يحتاجون لأكثر من المعرفة ليصبحوا مواطنين صالحين.
تكثيف الدورات التدريبية للمعلمين -ففاقد الشيء لا يعطيه- لتطبيق مهارات اللغة: نحو، استماع، محادثة، قراءة، كتابة، والخط العربي، ونقل أثر التدريب إلى الطلبة.
إنّ المتتبّع لمعارف الطلبة يشعر بالأسف لفقر التعليم الذي يعاني منه أبناؤنا، فلا يكاد يقرأ الطالب فقرة إلا وقد وقع في عدة أخطاء نحوية وإملائية.
ومن الصعوبة قراءة ما يكتبه الطلبة لضعف مهارات الخط العربي لديهم بسبب الاعتماد على الشاشات التكنولوجية.
يشعر الوالدان بخيبة أمل كبيرة عند ذهاب أبنائهم إلى التسوّق، فيكاد الحرص يدفعهم إلى توصيتهم أكثر من مرة للتأكد من النقود بعد عملية التسوق.
وقد لا يدركون ما وقعوا فيه من خطأ في التعامل مع البائعين من زيادة أو نقصان في سعر السلعة التي تمّ شراؤها.
العمل على إعادة سلطة المعلّم في الغرفة الصفيّة التي تضاءلت بسبب بعض السياسات التي تغلّب العاطفة على العقل في استخدام أساليب العقاب الفعّال.
التخفيف من الواجبات المنزليّة غير المبرّرة.
إعطاء المعلّم حريّة استخدام التكنولوجيا الحديثة في غرفة الصف حسب الحاجة، لفسح المجال لتبادل المشاعر من خلال التفاعل الاجتماعي بينه وبين طلبته، واكتساب المهارات الاجتماعية التي تفتقدها أدوات الذكاء الاصطناعي.
تفعيل دور الأسرة من خلال المشاركة في الأنشطة اللاصفيّة.
إنّ العودة إلى الأساسيات واستخدام أدوات التكنولوجيا الحديثة في الوقت نفسه -التعليم المدمج- يؤدي إلى تحقيق الأهداف المرجوّة من العملية التعليمية، ويسهم في تعزيز قدرة الطلبة على اكتساب المعلومات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك