في الجدل الدائر حول قصة بتول علوش، الشابة السورية العلوية ذات ال21 عامًاً، يبدو أن القضية تتجاوز كثيراً حدود حادثة فردية أو واقعة اجتماعية عابرة.
نحن، في الحقيقة، أمام سؤال أعمق وأكثر حساسية: ما معنى الحرية الفردية في مجتمعاتنا؟ وهل يملك الإنسان حقّ امتلاك ذاته فعلاً، أم أن الجماعة تظل صاحبة الوصاية النهائية على روحه وخياراته؟ وما دور السياق الاجتماعي- السياسي في تعقيد هذه المبادئ؟السؤال هنا بسيط في صياغته، شديد التعقيد في نتائجه: هل يحقّ للفرد، ضمن المنطق الليبرالي ومفهوم حرية الضمير، أن يغيّر طائفته أو دينه إذا كان ذلك نابعاً من اقتناع شخصي، لا من إكراه أو تهديد؟ جوابي المبدئي: نعم.
بدأت القصة حين ظهر والدا الطالبة الجامعية بتول في تسجيل مصوّر قالا فيه إنها تعرّضت للتضليل ثم للاختطاف، فيما عقد المدّعي العام في جبلة لقاءً ضمّ بتول وإعلاميين ووجهاء من المنطقة، في غياب أهلها، قالت فيه إنها غادرت منزل عائلتها بإرادتها الحرّة، وإنها لا ترغب بالعودة في الوقت الراهن.
يقبل كثيرون بحرية الاعتقاد نظريّاً، ثم يرفضون نتائجها العملية، عندما تؤدّي إلى انتقال شخص من طائفة إلى أخرى.
هنا تبدأ المنطقة الرمادية التي تربك الجميع: بين خوف الجماعة على بناتها وحقّ الفرد في اختيار مصيره؛ بين ذاكرة الخوف الطائفي وفكرة الحرية الشخصية؛ بين الشك المشروع والوصاية التي تتحوّل أحيانًا إلى نفي كامل لأهلية الإنسان.
في التصور الليبرالي للإنسان، الفرد، خصوصاً حين يكون بالغاً راشداً، ليس ملكًا لعائلته، ولا لطائفته، ولا حتى لمجتمعه.
إنه كائن حر، يمتلك الحقّ في تقرير ما يتعلق بضميره وقناعته الروحية والفكرية، فالحرية الدينية لا تعني فقط حقّ الإنسان في ممارسة الدين الذي وُلد فيه، بل أيضاً حقه في تغييره أو حتى مغادرته، ما دام هذا يتم بحرية كاملة ومن دون إكراه.
ولا يصبح هذا الحق مشروعاً فقط حين ينتقل المرء من دين الأكثرية إلى دين الأقلية، بل أيضاً بالعكس، فالحرية التي تعمل باتجاه واحد ليست حرية، بل امتياز مقنّع.
ولعل العبارة القرآنية الكريمة" لا إكراه في الدين" تظلّ من أكثر المبادئ الأخلاقية الإسلامية.
وقد أفاد الأمين العام السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أحمد الريسوني، بأن روح هذه الآية الأخلاقية تسمو على تأويلاتٍ فقهية كثيرة مرتبطة بأحكام الردّة.
والمفارقة أن أبو محمد الجولاني نفسه (الرئيس أحمد الشرع لاحقاً)، في زيارته قرية درزية في محافظة إدلب عام 2016، حين قال له بعض الأهالي إن الدروز أقرب إلى السنة من سائر الطوائف، أجابهم ببساطة: " لا إكراه في الدين".
مع ذلك، يقبل كثيرون بحرية الاعتقاد نظريّاً، ثم يرفضون نتائجها العملية، عندما تؤدّي إلى انتقال شخص من طائفة إلى أخرى.
هنا تتحوّل الحرية إلى مفهوم انتقائي: مقبولة فقط ما دامت لا تهدّد البنية التقليدية للجماعة.
لكن الحرية التي تُمنح بشرط ألّا تغيّر شيئاً ليست حرية حقيقية، بل مجرّد هامش تجميلي داخل نظام اجتماعي مغلق.
في المقابل، ينبغي التشديد، بوضوح، على أن الدفاع عن حرية الضمير لا يعني أبداً التساهل مع أيٍّ من أشكال الإكراه أو التلاعب أو الاستغلالين، النفسي والاجتماعي.
فإذا ثبت وجود تهديد أو احتجاز أو غسل دماغ أو استغلال للهشاشة النفسية أو الالتحاق بمجموعة إرهابية، فإن القضية تتحول فورًا إلى قضية حقوق إنسان، لا إلى نقاش فلسفي حول الحرية الدينية.
ولهذا، أي حالة من هذا النوع تستوجب تحقيقاً قانونيّاً وحقوقيّاً مستقلاً يضمن سلامة الشخص وحريته الفعلية في الاختيار.
لكن إذا كانت امرأة بالغة، عاقلة، تؤكّد بصورة واضحة ومتكرّرة أنها اتخذت قرارها بإرادتها، فإن رفض تصديقها فقط لأن قرارها لا ينسجم مع توقعات العائلة أو الطائفة يفتح باباً خطيراً: باب نزع الأهلية عن النساء تحديداً، والتعامل معهن بوصفهن غير قادرات على اتخاذ قرارات تخصّ حياتهن الروحية والشخصية.
ليست المشكلة في مجتمعاتنا فقط في الخوف من تغيير الدين أو الطائفة، بل في التصوّر الضمني أن الإنسان يجب أن يبقى وفيّاً لهويته الجماعية، حتى لو لم يعد مقتنعاً بها.
وكأن الانتماء قدر بيولوجي لا خيار أخلاقي فيه.
وهذا يتناقض جذريّاً مع مفهوم المواطنة الحديثة التي تقوم، في جوهرها، على حرية الضمير والفردانية القانونية والأخلاقية.
ليست المشكلة في مجتمعاتنا فقط في الخوف من تغيير الدين أو الطائفة، بل في التصوّر الضمني أن الإنسان يجب أن يبقى وفيّاً لهويته الجماعيةقد نختلف مع خيارات الآخرين، وقد تبدو لنا غريبة أو خاطئة أو حتى صادمة، لكن الدفاع عن الحرية لا يكون بحماية الخيارات التي تعجبنا فقط، بل أيضًا بحماية الخيارات التي لا تعجبنا، ما دامت صادرة عن إرادة حرّة.
بعض التعقيد هناك تعقيدان يجب أخذهم بالاعتبار.
الأول، هناك من يرى أن المناخ الديني المحيط بالقضية يحمل عناصر تحريض واضحة، مستشهدين بما قاله الشيخ السلفي الدمشقي عبد الرزاق المهدي حين أصدر في 10 الشهر الماضي (مايو/ أيار)" فتوى" أنه لا يجوز إعادة بتول إلى أهلها، بحجّة أنهم يضطهدونها بسبب خياراتها الدينية.
ولكن العبارة الأكثر دلالة في كلامه كانت استخدامه تعبير" بعد إسلامها"، وهو تعبيرٌ لا يخلو، بصورة غير مباشرة، من نزعٍ للشرعية الدينية عن أهلها.
وأضع كلمة “فتوى” بين قوسين، لأن معناها السوسيولوجي اليوم أضعف بكثير مما يتصوّره بعضهم.
فسلطة الفتوى على الأجيال الجديدة تراجعت بصورة هائلة؛ لا فتاوى تحريم الخروج على الحاكم منعت الثورات العربية، ولا حتى دعوات" أبو عبيدة" المتكرّرة نجحت في دفع الجماهير العربية والإسلامية إلى انتفاضة شاملة نصرةً للمقاومة الفلسطينية، رغم ما تحمله تلك الدعوات من رمزيةٍ عاطفيةٍ ودينيةٍ هائلة.
كما أن هذه التصريحات لا تمثل المؤسسة الدينية الرسمية في سورية، التي يمثلها مفتي الجمهورية الشيخ أسامة الرفاعي.
ومن المنطق الليبرالي، يمكن للوعّاظ مخاطبة المؤمنين بلغة دينية، حتى وإن تعارضت مع الأعراف المدنية السائدة (طالما لا تدعو إلى كره الآخر أو العنف، كما جاء في إحدى بيانات وزارة الأوقاف).
التعقيد الثاني أنه لا يمكن إنكار وجود خطاب تعبوي وتحريضي في سياق شديد الاحتقان، خصوصاً بعد مجازر الساحل (مارس/ آذار 2025)، وما خلّفته من خوف وانعدام ثقة وشعور جماعي بالاستهداف، وهي مسؤولية تتحمّلها بدرجات مختلفة قوى الأمن والسلطة الجديدة، إلى جانب أطراف أخرى، بما فيها شبّيحة النظام السابق.
فهذه الحادثة لا يمكن فصلها عن التقارير الحقوقية والإعلامية التي تحدثت، في الأشهر الماضية، عن اختفاء أو اختطاف نساء وفتيات علويات في سورية، خصوصاً بعد أحداث الساحل، فقد تحدثت تقارير لمنظمة العفو الدولية عن 36 حالة اختطاف لنساء وفتيات علويات في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة.
وتحدّث خبراء أمميون والمرصد السوري لحقوق الإنسان عن حالات موثقة لاختفاء قسري وطلب فديات وتهديدات وانقطاع اتصال.
وبينما اعتمدت هذه التقارير بشكل أساس على تصريحات أهل" المختطفات"، استطاعت الدولة بتتبع هؤلاء الفتيات واستكمال الصورة من خلال مقابلتهن.
بالنسبة للدولة وعلى لسان وزارة الداخلية، من 41 حالة غياب تم تحديد فقط حالة واحدة اختطافاً، والباقي أقرب الى الهروب.
إذاً ما زالت الهوة واسعة بين من يعتبرها ظاهرة اختطاف ممنهجة وأولئك الذين يربطون الحالات بهروب فردي أو علاقات شخصية أو زواج أو صدامات عائلية.
وربما نحن أمام مزيج معقد من ذلك كله، فالصورة ما تزال ضبابية ومتنازعاً عليها سياسيّاً وإعلاميّاً وحقوقيّاً.
لهذا، لا يمكن تناول قصة بتول علوش خارج هذا السياق المشحون بالخوف والشكوك والذاكرة الطائفية الجريحة.
لا يمكن تناول قصة بتول علوش خارج السياق المشحون بالخوف والشكوك والذاكرة الطائفية الجريحةمن هنا تنشأ الحاجة إلى موازنة دقيقة بين أمرين متلازمين: حماية حقّ الفرد في اختيار دينه ومصيره، وطمأنة الجماعة، في الوقت نفسه، بأنها ليست مستهدفة وجوديّاً أو ثقافيّاً.
وأنا أستخدم المعيار نفسه حين أنتقد، في أوروبا، سياسات النقل المكثف للأطفال والمراهقين من عائلاتهم البيولوجية إلى عائلات حاضنة، أحياناً بناءً على معايير فضفاضة أو تصورات ثقافية متعالية لا تراعي حقّ العائلة في تربية أبنائها وفق تصورها الخاص للخير والحياة الكريمة.
وقد ناقشت هذا في كتابي الصادر أخيراً" ضد الليبرالية الرمزية: دعوة إلى علم اجتماع تحاوري" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، بيروت، 2026).
لكن الفارق الجوهري هنا أن النقاش الأوروبي يتعلق غالبأً بقاصرين، بينما بتول علوش امرأة بالغة راشدة.
وهذه نقطة لا يمكن القفز فوقها أخلاقيّاً أو قانونيّاً، مهما كانت حساسية المناخ السياسي والطائفي المحيط بالقضية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك