لم تكن نتائج الانتخابات المحلية البريطانية الأخيرة مجرّد خسارة عابرة لحزبي العمال والمحافظين، بل بدت أقرب إلى زلزال سياسي أعاد رسم ملامح المشهد الحزبي في المملكة المتحدة، وأكّد أنّ الناخب البريطاني دخل مرحلة جديدة من التمرّد على الثنائية التقليدية التي حكمت البلاد لعقود.
ففي الوقت الذي مُني فيه الحزبان الكبيران بخسائر قاسية، حقّق حزب الإصلاح البريطاني، بقيادة نايجل فاراج، اختراقاً غير مسبوق، فيما واصل الليبراليون الديمقراطيون والخضر توسيع قاعدتهم الانتخابية، مُستفيدين من حالة السخط العام والانقسام الاجتماعي والسياسي.
أظهرت النتائج تقدّماً كاسحاً لحزب الإصلاح الذي حصد أكثر من 1400 مقعد محلي وسيطر على 14 مجلساً محلياً، في مقابل خسائر فادحة لحزب العمال، بينما فقد المحافظون مئات المقاعد أيضاً.
كما حقّق حزب الخضر مكاسب لافتة، إلى جانب تقدّم الليبراليين الديمقراطيين في مناطق كانت تُعدّ تقليدياً معاقل للمحافظين.
هذه النتائج تعكس تحوّلاً أعمق من مجرّد تصويت احتجاجي مؤقّت.
فحزب العمال، الذي عاد إلى السلطة قبل أقل من عامين بقيادة كير ستارمر، وجد نفسه في مواجهة تآكل سريع لشعبيته.
الناخب الذي منح الحزب فرصة للحكم بدا وكأنّه يعاقبه بسبب عدم قدرته على إحداث تغيير اقتصادي ملموس، خصوصاً في ملفات المعيشة والطاقة والإسكان والخدمات العامة.
المفارقة أنّ العمال خسروا من جهتين مُتناقضتين سياسياً؛ فمن جهة، استقطب حزب الإصلاح الناخبين الغاضبين من الهجرة والضرائب وتراجع الخدمات، خصوصاً في المناطق الصناعية والطبقات العاملة التي كانت تاريخياً خزاناً انتخابياً للعمال.
ومن جهةٍ أخرى، تمكّن حزب الخضر من جذب قطاعات شبابية ويسارية ترى أنّ حكومة ستارمر أصبحت أقرب إلى" الإدارة التقنية" منها إلى مشروع سياسي تغييري.
وصفت صحيفة" ذا غارديان" المشهد بأنّ العمال" خسروا الأرض في اتجاهات مختلفة"، في إشارة إلى النزيف المزدوج، يميناً ويساراً.
دخل الناخب البريطاني مرحلة جديدة من التمرّد على الثنائية التقليدية التي حكمت البلاد لعقودأمّا المحافظون، فإنّ خسارتهم تحمل دلالة أكثر خطورة على مستقبل الحزب نفسه.
فالحزب الذي حكم بريطانيا لأكثر من عقد خرج من الانتخابات وكأنّه فاقد للهُويّة السياسية.
جزءٌ مُعتبر من قاعدته التقليدية انتقل مباشرة إلى حزب الإصلاح، الذي نجح في تقديم نفسه صوتاً قومياً شعبوياً أكثر وضوحاً وحسماً، لا سيما في قضايا الهجرة والسيادة الوطنية ومواجهة النخب السياسية.
وقد أعلن نايجل فاراج بعد النتائج أنّ حزبه" حطم الجدار الأحمر"، في إشارة إلى مناطق الطبقة العاملة التي كانت موالية للعمال لعقود.
ويبدو أنّ فاراج لم يعد مجرّد زعيم احتجاجي عابر، بل أصبح رقماً مركزياً في السياسة البريطانية، لا سيما مع تراجع الثقة بالأحزاب التقليدية.
اللافت أيضاً أنّ تقدّم حزب الإصلاح ترافق مع تصاعد الانقسام الثقافي والاجتماعي داخل بريطانيا.
فبحسب تحليلات انتخابية حديثة، حقّق الحزب أفضل نتائجه في المناطق الأكثر فقراً وبين الفئات الأكبر سناً والأقلّ تعليماً، بينما برز الخضر بقوّة في المدن وبين الشباب والمُتعلّمين والمُستأجرين.
وهذا يعني أنّ السياسة البريطانية لم تعد تُقرأ فقط بمنطق" يمين ويسار"، بل أصبحت مرتبطة بالهوية والعمر والتعليم والموقع الاجتماعي.
باتت الأحزاب الكبرى مطالبة بإعادة تعريف نفسها وبرامجها إن أرادت البقاء في قلب المشهدفي المقابل، حاول زعيم الليبراليين الديمقراطيين، آد دافي، استثمار اللحظة بتقديم حزبه باعتباره" البديل المُعتدل" بين ما سماه" شعبوية الإصلاح" واندفاع الخضر.
وقد حقّق الحزب بالفعل اختراقات مهمّة في مناطق جنوبي إنكلترا، مستفيداً من انهيار المحافظين ومن الناخبين المؤيّدين لأوروبا والرافضين الخطاب الشعبوي.
لكن القراءة الأهم لهذه الانتخابات ربما تكمن في أنّ بريطانيا تدخل فعلياً مرحلة" تشظي سياسي" شبيهة بما حدث في دول أوروبية أخرى.
فاحتكار العمال والمحافظين الحياة السياسية بدأ يتآكل بصورة متسارعة، بينما تصعد أحزاب أصغر تمتلك خطاباً أكثر حدّة أو تخصّصاً أو قرباً من هموم شرائح معينة.
النتائج المحلية لا تعني بالضرورة أنّ السيناريو نفسه سيتكرّر في الانتخابات العامة المُقبلة، لكن الرسالة السياسية كانت واضحة، الناخب البريطاني لم يعد يمنح ولاءه التاريخي بسهولة، والأحزاب الكبرى باتت مطالبة بإعادة تعريف نفسها وبرامجها إن أرادت البقاء في قلب المشهد.
والأخطر بالنسبة لحزب العمال تحديداً أنّ فوزه السابق بالسلطة لم يتحوّل بعد إلى حالة ثقة مستقرّة، بل بدا وكأنّه" تفويض مؤقت" قابل للسحب بسرعة.
أمّا المحافظون، فإنّهم يواجهون تهديداً وجودياً حقيقياً يتمثّل في احتمال تحوّل حزب الإصلاح إلى القوّة الرئيسة لليمين البريطاني خلال السنوات المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك